محمد النعمة بيروك.. رجل يكتب ما قد تنساه الذاكرة

هيئة التحريرساعة واحدة agoLast Update :
محمد النعمة بيروك.. رجل يكتب ما قد تنساه الذاكرة

الرؤية/هيئة التحرير

 

 

#بصمات

 

ليست كل الأماكن تُحفظ بالخرائط. بعض الأماكن تبقى لأن هناك من يرويها، ومن يكتب أسماءها، ومن ينتبه إلى التفاصيل الصغيرة التي قد تمر دون أن يلتفت إليها أحد.

من هذا الباب يمكن قراءة تجربة محمد النعمة بيروك؛ شاعر وروائي وباحث جعل من الكتابة طريقا للاقتراب من الصحراء، لا باعتبارها فضاء جغرافيا فقط، بل بوصفها لغة وحكايات وأصواتا وذاكرة جماعية تشكلت عبر أجيال طويلة.

اشتغل بيروك على أكثر من جنس أدبي. كتب الشعر والرواية والقصة، كما اهتم بالتراث الحساني والحكاية الشعبية، وترك عددا من المؤلفات التي تتقاطع فيها الأسئلة الأدبية مع الاهتمام بالثقافة المحلية. لكن ما يلفت في هذا المسار ليس تنوع الكتابة وحده، بل الفكرة التي تبدو حاضرة في أغلب أعماله: كيف يمكن للكتابة أن تحفظ ما يهدده النسيان؟

 

فالكثير من عناصر الثقافة الحسانية انتقل عبر الرواية الشفوية، من الشعر إلى الأمثال والحكايات والتعابير اليومية. وهذا الإرث، مهما بدا حاضرا، يحتاج دائما إلى من يكتبه ويعيد تقديمه للأجيال الجديدة. هنا تحديدا يظهر جانب من أثر محمد النعمة بيروك.

لم يتعامل مع التراث بوصفه مادة من الماضي فقط، بل نظر إليه باعتباره جزءا من الحاضر أيضا. لذلك جاءت كتاباته محاولة للربط بين الذاكرة والأسئلة الجديدة، وبين ما عاشه الناس وما يمكن أن تقوله تلك التجارب اليوم.

وقد تُوج هذا المسار بعدد من الجوائز الأدبية في الرواية والقصة والشعر، كما عرف حضورا في الندوات والملتقيات الثقافية التي اهتمت بالأدب الحساني وبأسئلة الهوية والكتابة. غير أن قيمة التجربة لا تُختصر في الجوائز أو المشاركات، بل في الاستمرار نفسه؛ في هذا الاشتغال الهادئ على الكلمة، وعلى التفاصيل التي لا تبدو كبيرة في لحظتها، لكنها تتحول مع الوقت إلى جزء من الذاكرة الثقافية للمكان.

قد يمر القارئ على كتاب أو قصيدة دون أن يفكر كثيرا في الجهد الذي سبقها. لكن وراء كل نص سنوات من القراءة، والبحث، والإنصات للحكايات، ومحاولة فهم ما يختبئ خلف الكلمات.

وهذا ما يجعل تجربة محمد النعمة بيروك جديرة بالتوقف عندها.

فبعض الناس يتركون بصمتهم في بناء طريق أو تأسيس مؤسسة، وآخرون يتركون بصمتهم في الكتابة؛ في أن يمنحوا المكان كلمات تبقى، وأن يتركوا للأجيال القادمة شيئا تقرؤه حين تبحث عن ملامح الصحراء وحكاياتها.

وربما لهذا يمكن القول إن بصمة محمد النعمة بيروك لا توجد في كتاب واحد أو نص واحد، بل في هذا الجهد المتواصل لجعل الذاكرة مكتوبة، وقابلة لأن تُروى من جديد.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.