تعيش بعض التنظيمات النقابية بالقطاع الصحي بإقليم العيون الساقية الحمراء اليوم حالة من الارتباك غير المسبوق، بعدما وجدت نفسها أمام واقع إداري جديد لا يشبه المرحلة السابقة، عنوانه الواضح: تطبيق القانون، ربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع حد للتسيب والامتيازات غير المستحقة.
فبعد أن كان الخطاب النقابي يتحدث عن الحوار والشراكة، أصبح اليوم أمام سيل من الاتهامات الموجهة إلى المسؤولين كلما اتخذوا قرارا إداريا لم يرق لبعض المحسوبين على التنظيم.
وهنا يبرز التساؤل عما إذا كان كل إعفاء من مسؤولية هو «انتقام»، وكل تغيير في مقر العمل «إقصاء»، وكل مطالبة باحترام أوقات العمل والواجبات المهنية «استهدافًا نقابيًا»؛ أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن قواعد اللعبة قد تغيرت.
ويبدو أن البعض لم يستوعب بعد أن المرحلة الجديدة لا تسمح باستمرار نفس الأساليب التي طبعت سنوات سابقة، وأن الإدارة عندما تبدأ في ترتيب البيت الداخلي وإعادة توزيع المسؤوليات، فإن أول من يشعر بالقلق هم أولئك الذين اعتادوا على الاستفادة من مناطق رمادية داخل التدبير الإداري.
والأكثر دلالة هو أن التنظيم الذي كان قويًا بنفوذه وحضوره داخل القطاع، أصبح مضطرًا اليوم إلى إطلاق الاتهامات يمينًا ويسارًا كلما فقد أحد مواقعه أو امتيازاته، وكأن الدفاع عن النقابة أصبح دفاعًا عن أشخاص ومواقع بعينها.
وتكشف المؤشرات الميدانية عن تراجع في منسوب الثقة والالتفاف حول هذا التنظيم وفقدانه تدريجيا لعدد من منتسبيه، مما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت المشكلة في الإدارة أم في فقدان التنظيم لقدرته على تقديم نفسه كعنوان للمصلحة الجماعية.
فالنقابة القوية لا تخشى تطبيق القانون على الجميع، ولا تخشى الإصلاح بل تكون أول من يدعمه، ولا تحتاج لحماية شخص أو منصب لأن قوتها تنبع من الدفاع عن جميع الموظفين دون تمييز.
أما عندما يتحول التنظيم النقابي إلى حالة دفاع مستمر عن ممارسات أو مواقع أو امتيازات مهددة، فيصبح التساؤل مشروعًا حول ما إذا كنا أمام دفاع عن الحقوق أم محاولة لاستعادة نفوذ فقد بريقه.
لقد انتهى الزمن الذي كان لزامًا فيه على الإدارة إرضاء هذا الطرف أو ذاك لضمان الهدوء، وانتهى زمن اعتبار الاحتجاج النقابي وسيلة للضغط من أجل انتزاع المواقع والامتيازات، وانتهى أيضًا زمن اعتبار بعض الأسماء فوق التقييم والمساءلة لمجرد حمل صفة نقابية. وما يُطلب اليوم هو إدارة قوية وعادلة، ونقابة مستقلة ومسؤولة، وموظف يؤدي واجبه ويحصل على حقوقه كاملة.
ومن يريد الإصلاح الحقيقي فليدعمه، ومن يريد محاربة التسيب فليكن أول المدافعين عن الإدارة حين تطبق القانون، ومن يطالب بالشفافية فليبدأ بها داخل تنظيمه. أما تحويل كل إصلاح إلى استهداف وكل محاسبة إلى انتقام، فلن يقنع أحدًا، والمرحلة الجديدة ستكشف الجميع؛ فمن كان وجوده قائما على الكفاءة سيبقى، ومن كان قائما على الولاء سيسقط، ومن استمد قوته من الموظفين سيزداد قوة، ومن استمدها من النفوذ والامتيازات سيجد نفسه وحيدًا.
وفي النهاية، ليست القضية من انتصر في معركة نقابية عابرة، بل من انتصر للمرفق العمومي ولحقوق الموظفين وللمريض، وليكن القانون هو الحكم والإصلاح هو المعيار، وليتحمل كل طرف مسؤولية مواقفه أمام الموظفين والرأي العام.





