الرؤية/هيئة التحرير
بقلم :ص الهدية رافع
حين ننظر إلى أزقة مدننا، ونتابع تفاصيل نبضها اليومي، نتساءل بيقين مرير: هل ما زالت الصحافة المحلية قادرة على أن تكون مرآة صادقة لواقعنا، أم أن الخوف من رؤية الحقيقة قد كسر تلك المرآة قبل أن تكتمل الصورة؟
الصحافة المحلية بطبيعتها ليست ترفا فكريا، وليست صدى باهتا لقرارات المكاتب المغلقة؛ بل هي الذاكرة الحية للمدينة، والنبض الذي يقيس حرارة الشارع، والبوصلة التي تقرأ وجع المواطن وحلمه. غير أننا اليوم نقف أمام مفارقة مقلقة، فالصحافة في كثير من أرجائها قد فقدت أثرها الملموس. نحن نعيش في ذات المكان، نعاني ذات الاختناقات، وننتظر ذات الإصلاحات، لكننا لا نرى أي أثر حقيقي للكلمة المكتوبة. لا شيء يتغير، وكأن الحبر يسيل على ماء.
ولا غضاضة في الإنصاف، فهذا الخمول أو التلاشي ليس دليلا على أن الصحفيين أجمعين متهاونون أو منزوعو الضمير. فهناك شرفاء يكتبون بأرواحهم، ويحملون أقلامهم كجمر على الأكف. لكن المشكلة تكمن في الأغلبية التي استرخت في قارب المألوف، أو أرهقتها مقصات الرقيب، أو حاصرتها هواجس الخوف من انعكاس الصورة الحقيقية للمدينة في حال جاءت غير مرغوب فيها، أو صادمة للسلطات، أو فاضحة لعورات البيروقراطية.
إن الخوف من انعكاس المرآة هو مرض مزمن يقتل روح المبادرة. فالصحافة حين ترتعد خوفا من الحقيقة، تتحول من أداة كشف وإصلاح إلى مجرد نشرة إعلانية للأخبار الرسمية. المدينة، بكل تعقيداتها وجمالها وقبحها، تحتاج إلى مرآة لا تزيّف الملامح ولا تخفي الندوب. وحين ترتعد أيدي الصحفيين وهم يكتبون، تتسع الفجوة بين الواقع والمكتوب، وينطفئ أثر الصحافة تدريجيا حتى يصبح العدم والوجود “سيّان”.
الخروج من هذا المأزق يتطلب شجاعة مزدوجة: شجاعة الصحفي الذي يدرك أن قلمه أمانة، وشجاعة المجتمع الذي يحمي حق الحقيقة في أن تُقال.
المدينة التي لا تجد من يروي قصتها بصدق، هي مدينة تائهة بلا هوية. ووحدها الصحافة الجريئة، التي لا تخشى انعكاس وجهها الحقيقي في المرآة، قادرة على إعادة الألق لمدننا المنسية بين أسطر الورق.





