الرؤية – طانطان
لم يكن اللقاء التواصلي الذي احتضنته عمالة إقليم طانطان، يوم 8 غشت الجاري، مع أفراد الجالية المنحدرة من الإقليم والمقيمة بالديار الأوروبية، ليمر كغيره من اللقاءات التواصلية، بعدما تحولت مداخلة إحدى المشاركات إلى موضوع جدل واسع، تجاوز حدود النقاش المحلي حول الخدمات العمومية إلى سجال مغربي–موريتاني على منصات التواصل الاجتماعي.
اللقاء، الذي كان يفترض أن يشكل فرصة للاستماع إلى انتظارات أبناء الإقليم المقيمين بالخارج، شهد تدخلات تناولت عدداً من القضايا المرتبطة بالتنمية والخدمات العمومية، غير أن مداخلة إحدى المشاركات أثارت انتباهاً خاصاً بعدما انتقدت واقع الخدمات الصحية، قبل أن تتطرق إلى وجود أطباء أجانب ضمن الطواقم الطبية العاملة بالإقليم.
سؤال مشروع.. لكن بصياغة أثارت الاستياء
انطلقت المتدخلة من ملاحظة مرتبطة بواقع القطاع الصحي، متسائلة عن أسباب عدم توفر بعض المؤسسات الصحية بالإقليم على عدد كاف من الأطباء والأطر الطبية، في وقت يعرف فيه المغرب تخرج أعداد مهمة من طلبة كليات الطب.
وهو نقاش مشروع يرتبط بجودة الخدمات الصحية، وتوزيع الموارد البشرية الطبية، وقدرة المنظومة الصحية على الاستجابة لحاجيات المواطنين، خصوصاً في الأقاليم التي تواجه تحديات مرتبطة باستقطاب الأطباء والكفاءات.
لكن المداخلة أخذت منحى آخر عندما تطرقت إلى الطبيب الموريتاني العامل بالمستشفى الإقليمي بطانطان، معتبرة، بحسب ما ظهر في المقطع المتداول، أنه من «العار والفضيحة» أن يتلقى المواطن المغربي العلاج على يد طبيب موريتاني.
هذه العبارة تحديداً كانت وراء انتقال النقاش من مشروعية انتقاد الخدمات الصحية إلى جدل حول الإساءة إلى جنسية الطبيب وكفاءة الأطر الموريتانية.
غضب في موريتانيا
وأثارت التصريحات المتداولة ردود فعل واسعة في أوساط اجتماعية وسياسية بموريتانيا، حيث اعتبر عدد من المتابعين أن مضمونها يتضمن تهكماً غير مقبول على كفاءة طبيب موريتاني يؤدي مهامه المهنية داخل مؤسسة صحية عمومية بالمغرب.
كما رأى منتقدون أن وضع جنسية الطبيب في مواجهة حق المواطن في العلاج لا يخدم النقاش حول إصلاح القطاع الصحي، بل يفتح الباب أمام خطاب قد يمس بعلاقات الأخوة والجوار التي تجمع المغرب وموريتانيا.
وتكتسي التصريحات حساسية خاصة بالنظر إلى عمق الروابط التاريخية والثقافية والاجتماعية بين الشعبين، وإلى الحضور المتبادل للكفاءات والأطر المغربية والموريتانية في مجالات متعددة.
هل جنسية الطبيب معيار للكفاءة؟
بعيداً عن السجال الذي رافق التصريحات، يطرح الجدل سؤالاً أساسياً: هل جنسية الطبيب ينبغي أن تكون معياراً للحكم على جودة العلاج؟
الجواب المهني يفترض أن يكون واضحاً: الطبيب يُقيَّم بتكوينه وكفاءته وخبرته والتزامه بأخلاقيات المهنة، وليس بجواز السفر الذي يحمله.
ومن حق المواطنين مساءلة السلطات عن واقع الخدمات الصحية، ومن حقهم المطالبة بتوفير أطباء وأطر طبية كافية، كما من حقهم التساؤل عن أسباب الاستعانة بكفاءات أجنبية في الوقت الذي يتخرج فيه آلاف الأطباء المغاربة.
لكن هذه الأسئلة يمكن طرحها بقوة ووضوح دون الانتقاص من طبيب بسبب جنسيته أو تحويل جنسية مهنية إلى مادة للسخرية أو الإهانة.
طانطان تحتاج إلى أطباء أكثر.. لا إلى سجال أكثر
المفارقة أن جوهر المداخلة كان يمكن أن يشكل مدخلاً مهماً لنقاش جدي حول واقع الصحة في طانطان.
فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا الطبيب موريتاني؟
بل: هل يتوفر الإقليم على العدد الكافي من الأطباء؟ وهل يحصل المواطن على خدمة صحية في المستوى المطلوب؟ وهل يتم توزيع الموارد البشرية الطبية بشكل عادل؟ وكيف يمكن الاستفادة من الكفاءات المغربية الشابة التي تتخرج سنوياً من كليات الطب؟
هذه أسئلة تستحق أجوبة مؤسساتية واضحة، لأنها تمس حياة المواطنين وجودة الخدمات العمومية.
أما جنسية الطبيب، فلا ينبغي أن تتحول إلى معيار للمفاضلة بين الكفاءات.
العلاقات المغربية الموريتانية أكبر من تصريح عابر
في المقابل، فإن ردود الفعل الموريتانية القوية على التصريحات تكشف حساسية العلاقة بين البلدين والشعبين، وتؤكد أن أي خطاب يمس الكفاءات الموريتانية يمكن أن يتجاوز بسرعة حدود صاحبه ليُقرأ في سياق أوسع.
فالمغرب وموريتانيا ليسا مجرد بلدين متجاورين؛ بل تجمعهما روابط إنسانية واجتماعية وثقافية وتاريخية عميقة، فضلاً عن مصالح مشتركة متزايدة.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى قدر أكبر من المسؤولية في الخطاب العمومي، خصوصاً في اللقاءات التي يحضرها ممثلو السلطات والمنتخبون، والتي يفترض أن تكون فضاءات للنقاش البناء وتبادل الرأي، لا منصات لإنتاج حساسيات جديدة.
الانتقاد حق.. والإساءة ليست كذلك
لا خلاف على أن أبناء طانطان المقيمين بالخارج لهم كامل الحق في مساءلة المسؤولين عن واقع إقليمهم، والمطالبة بتحسين الصحة والتعليم والاستثمار والبنية التحتية والخدمات العمومية.
لكن قوة النقد لا تقاس بحدة العبارات، وإنما بقدرته على تشخيص الخلل واقتراح الحلول.
وإذا كان الهدف هو الدفاع عن حق المواطن الطنطاوي في خدمة صحية أفضل، فإن ذلك يتحقق بالمطالبة بالمزيد من الأطباء، وتحسين ظروف العمل، واستقطاب الكفاءات، وتطوير المؤسسات الصحية، وليس بجعل جنسية طبيب موريتاني عنواناً لمشكلة القطاع.
فالطبيب الكفء مرحب به، والمواطن يستحق العلاج الجيد، والعلاقات المغربية الموريتانية تستحق خطاباً مسؤولاً.
وبين هذه المبادئ الثلاثة، يمكن أن يتحول الجدل الذي أثارته مداخلة طانطان من أزمة على مواقع التواصل إلى فرصة لفتح نقاش جدي حول الصحة، والكفاءة، وحدود النقد، ومسؤولية الخطاب تجاه شعوب تجمعها بالمغرب علاقات الأخوة والجوار.





