الرؤية/هيئة التحرير
#بصمات
حين نتحدث عن التراث الصحراوي، غالبا ما نذهب مباشرة إلى الشعر الحساني، أو الحكايات الشعبية، أو العادات التي تناقلتها الأجيال. لكن هناك ذاكرة أخرى لا تُروى شفهيا، بل بقيت مكتوبة على أوراق قديمة، بعضها نجا من السفر والضياع وتقلبات الزمن.
هذه الذاكرة هي التي اختار عبد الوهاب سيبويه أن يقترب منها.
من بوجدور والعيون، ارتبط اسم سيبويه بالمخطوطات والوثائق القديمة. وهو اهتمام لم يبدأ معه وحده، وإنما يعود إلى خزانة عائلية توارثتها الأسرة، قبل أن يتحول الأمر بالنسبة إليه إلى عمل وبحث ومعرفة متخصصة في علم المخطوطات وتحقيقها.
لكن ما يلفت في تجربته ليس امتلاكه لمخطوطات قديمة بقدر ما يفعله بها. فالمخطوط، في نظره، لا ينبغي أن يبقى حبيس صندوق أو خزانة. قيمته تبدأ حين يُقرأ ويُحقق ويُتاح للباحثين، لأن الورقة التي لا يقرأها أحد تفقد جزءا من وظيفتها مهما كان عمرها.
ومن أكثر محطات تجربته إثارة رحلته إلى مالي سنة 2013. في ذلك الوقت كانت المخطوطات الموجودة في تمبكتو ومناطق أخرى تواجه خطرا حقيقيا بسبب الاضطرابات التي عرفتها البلاد. ذهب سيبويه إلى هناك، وعاد بعشرات المخطوطات والوثائق، من بينها وثائق يعود بعضها إلى قرون مضت. وقد عُرف لاحقا بين المهتمين بهذا المجال بجهوده في إنقاذ هذه المواد من الضياع.
هذه الرحلة تكشف شيئا أساسيا في شخصيته: علاقته بالمخطوطات ليست علاقة جامع يبحث عن القطع النادرة، وإنما علاقة شخص يرى فيها مادة يمكن أن تعيد ترتيب فهمنا للماضي.
فالوثيقة القديمة قد تحمل اسما، أو تاريخا، أو عقدا، أو حكما، أو رسالة، وقد تصحح معلومة ظلّت متداولة سنوات طويلة. وأحيانا تكون قيمتها في التفاصيل الصغيرة التي لا تلفت الانتباه للوهلة الأولى.
لهذا أيضا ظل حريصا على إبقاء الخزانة مفتوحة أمام الباحثين وطلبة العلم، بحسب ما نقلته عنه مصادر صحفية.
وفي سنة 2017، حصل على جائزة ضمن الدورة الثامنة والثلاثين لجائزة الحسن الثاني للمخطوطات، وهو تكريم ارتبط بما قدمته خزانته من مخطوطات ووثائق في خدمة البحث في التراث المكتوب.
قد لا يكون عبد الوهاب سيبويه من الشخصيات التي يعرفها الجميع، وربما لهذا السبب تحديدا تستحق قصته أن تُروى.
فالبصمة لا تقاس دائما بعدد الأشخاص الذين يعرفون اسمك.
أحيانًا يكون الأثر في ورقة أنقذتها من التلف، وفي مخطوط أخرجته من النسيان، وفي باحث وجد بين يديه وثيقة كان يمكن ألا يصل إليها أبدا.
وهذا بالضبط ما يجعل تجربة عبد الوهاب سيبويه جديرة بأن تُقرأ من زاوية مختلفة:
رجلٌ لم يكتفِ بأن يرث ذاكرة عائلته، بل اختار أن يحافظ عليها ويمنحها فرصة أخرى لتُقرأ.





