الأزمة الإنسانية بسبتة… حين تتحول صورة عابرة إلى سؤال دولة

هيئة التحريرساعتين agoLast Update :
الأزمة الإنسانية بسبتة… حين تتحول صورة عابرة إلى سؤال دولة

 

 

الرؤية: افتتاحية

 

 

 

 

ليست كل الأزمات التي تعبر الحدود تبقى عند الحدود، وليست كل الصور التي تلتقطها الكاميرات في لحظة اضطراب تنتهي بانتهاء الحدث. بعض الصور تصبح أسئلة مفتوحة، وبعض الأسئلة تتحول إلى امتحان للدولة ومؤسساتها، خصوصًا عندما تأتي في لحظة وطنية بالغة الرمزية، وتضع أمام الرأي العام صورة مغايرة لما اعتاد أن يراه عن بلده.

 

هذا تحديدًا ما تفرضه علينا أزمة سبتة.

 

ففي الوقت الذي كان فيه المغرب يعيش أجواء الاحتفال بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، وفي اليوم التالي تقريبًا لخطاب ملكي رسم ملامح مغرب واثق من مساره، مستقر في أمنه، صاعد في اقتصاده، متقدم في بنياته، ومتنامٍ في حضوره الإقليمي والدولي، كانت صور أخرى تعبر الحدود في الاتجاه المعاكس: آلاف الشباب يحاولون الوصول إلى سبتة، مشاهد ازدحام وفوضى، تدخلات أمنية، ضحايا، وأزمة إنسانية تحولت خلال ساعات إلى مادة رئيسية في وسائل الإعلام الدولية.

 

هنا تحديدًا لا يجوز أن نكتفي بمشاهدة الصورة.

 

علينا أن نسأل عن القصة التي أنتجتها.

 

كيف أمكن أن يصل الوضع إلى هذه الدرجة؟ ومتى بدأت المؤشرات الأولى؟ ومن كان يملك المعلومات؟ وهل كانت أجهزة الدولة أمام حدث مفاجئ فعلًا، أم أمام معطيات تراكمت ولم تتم قراءتها بالقدر الكافي؟

 

هذه الأسئلة لا تحمل اتهامًا لأحد، ولا تنطلق من افتراض وجود مؤامرة، لكنها تفرضها طبيعة الحدث نفسه وحجمه الإنساني والأمني والإعلامي.

 

فالمعطيات المنشورة تتحدث عن موجة استثنائية من العبور، وعن أعداد كبيرة عادت لاحقًا إلى المغرب، وعن سقوط ضحايا، بينما ربطت تقارير دولية جانبًا من الظاهرة بالشائعات المتداولة على شبكات التواصل، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، ودور شبكات التهريب. وفي المقابل، لا توجد حتى الآن أدلة موثوقة منشورة تسمح بالجزم بأن الدولة المغربية اتخذت قرارًا بتسهيل موجة العبور أو تنظيمها.

 

وهنا تبدأ مسؤولية الصحافة الحقيقية: ألا تحول الشك إلى اتهام، وألا تحول غياب الاتهام إلى غياب للسؤال.

 

فبين الروايتين، هناك حقيقة يجب أن تُعرف.

 

هل كانت هناك إشارات تحذيرية قبل الانفجار؟ هل تم التعامل معها؟ هل كان التنسيق بين المؤسسات في المستوى المطلوب؟ هل استغلت شبكات منظمة منصات التواصل لتضخيم إشاعات حول سهولة الوصول إلى سبتة؟ وهل كان آلاف الشباب ضحية تضليل رقمي، أم أن الأمر كان نتيجة تراكمات اجتماعية أعمق بكثير من أن تختصر في حملة على مواقع التواصل؟

 

ثم هناك سؤال أكثر حساسية: هل كان يمكن منع بعض ما حدث لو تم التعامل مع المؤشرات الأولى بطريقة مختلفة؟

 

إذا كانت الإجابة نعم، فهنا تبدأ المسؤولية.

 

وإذا كانت الإجابة لا، فهنا أيضًا يجب أن تُشرح الأسباب.

 

لأن الدولة لا تُقاس فقط بما تنجح في منعه، وإنما كذلك بقدرتها على مراجعة ما حدث عندما تقع الأزمة.

 

من هنا يصبح الحديث عن تحقيق مؤسساتي أمرًا مشروعًا، لا باعتباره بحثًا عن كبش فداء، ولا باعتباره محاكمة سياسية مسبقة، وإنما باعتباره وسيلة لمعرفة الوقائع وترتيب المسؤوليات.

 

هل يستحق حدث بهذا الحجم لجنة تقصي أو آلية تحقيق مستقلة تحدد بدقة ما الذي جرى قبل الأزمة وأثناءها وبعدها؟ وهل يمكن أن يظل الرأي العام معتمدًا فقط على الروايات المتناثرة والتسريبات والتأويلات بينما يتعلق الأمر بأرواح مواطنين وبصورة بلد وبملف حدودي شديد الحساسية؟

 

لا نملك أن نسبق المؤسسات في قرارها، ولا أن ننسب إلى الملك محمد السادس قرارًا لم يصدر عنه، ولا أن نفترض مسبقًا أن التحقيق سيقود إلى إدانة جهة بعينها.

 

لكن من حق المجتمع أن يطرح السؤال.

 

بل إن قوة الدولة نفسها تسمح بهذا السؤال.

 

هل يمكن للمغرب أن يفتح ملف سبتة بمنطق الدولة الواثقة، وأن يقول لمواطنيه: سنعرف ماذا حدث، ومن أخطأ، ومن نجح، وما الذي يجب إصلاحه؟

 

ذلك لن يكون اعترافًا بالضعف.

 

قد يكون أحد أقوى مظاهر القوة.

 

فالدولة التي تخشى التحقيق تترك للشك مهمة إنتاج الحقيقة، أما الدولة التي تفتح ملفاتها الصعبة فتضع الوقائع في مكانها الطبيعي.

 

وهنا يظهر سؤال آخر أكثر إلحاحًا: من أين جاءت عبارة “من باع الوطن” التي بدأت تتردد في النقاش العام؟

 

إنها عبارة خطرة إذا تحولت إلى حكم جاهز.

 

فليس كل تقصير خيانة، وليس كل خطأ مؤامرة، وليس كل فشل في التقدير دليلًا على وجود قرار سري.

 

لكنها تصبح عبارة تستحق التحقيق إذا أثبتت الوقائع وجود من أخفى معلومات، أو تجاهل تحذيرات، أو تلاعب بالمعطيات، أو استغل أزمة وطنية لتحقيق مصلحة شخصية أو سياسية، أو ساهم عمدًا في تعريض المواطنين للخطر.

 

ولهذا، فإن السؤال المهني ليس: من نخون؟

 

بل: ماذا حدث؟ ومن كان مسؤولًا عن القرار؟ وما الذي كان يعرفه؟ وما الذي فعله؟

 

الفارق بين السؤالين هو الفارق بين الصحافة والمحاكمة الشعبية.

 

وهو أيضًا الفارق بين دولة تبحث عن الحقيقة، وفضاء عام يبحث عن متهم.

 

لكن أزمة سبتة لا يمكن اختزالها في البعد الأمني وحده.

 

فالصور التي خرجت من الحدود طرحت سؤالًا أكثر عمقًا: لماذا أصبح الوصول إلى سبتة، بالنسبة إلى هذا العدد من الشباب، أقرب إلى حلم جماعي من المستقبل داخل الوطن؟

 

هذا السؤال لا يمكن أن تجيب عنه الأسلاك والحواجز.

 

ولا تستطيع الأجهزة الأمنية وحدها أن تعالجه.

 

إنه سؤال يتعلق بالفرص، وبالثقة، وبالعدالة الاجتماعية، وبالقدرة على تحويل النمو الاقتصادي إلى إحساس فعلي لدى الشباب بأن لهم مكانًا ومستقبلًا داخل بلدهم.

 

فالمغرب الذي يشهد مشاريع كبرى واستثمارات صناعية وبنيات تحتية وتحولات اقتصادية مهمة، هو نفسه المغرب الذي لا يزال مطالبًا بأن يجعل ثمار هذه التحولات أكثر حضورًا في حياة الشباب، وأن يقنعهم بأن المستقبل ليس بالضرورة في الجهة الأخرى من الحدود.

 

وهنا تكمن المفارقة التي لا ينبغي تجاهلها.

 

كيف يمكن لبلد يصنع هذه الصورة الكبيرة عن نفسه أن يشاهد، في الوقت نفسه، آلافًا من شبابه يحاولون مغادرته جماعيًا؟

 

ليس في السؤال إنكار للمنجزات.

 

ولا هو تشكيك في المسار الوطني.

 

إنه ببساطة سؤال عن المسافة بين مؤشرات التنمية الكبرى وبين شعور المواطن الفردي بمستقبله.

 

وقد يكون هذا تحديدًا هو الدرس الأعمق الذي تركته سبتة.

 

فالأمن يستطيع أن يوقف العبور، لكنه لا يستطيع وحده أن يوقف الرغبة في الرحيل.

 

والحدود تستطيع أن تمنع الوصول، لكنها لا تستطيع أن تمنع الحلم.

 

والبيانات الرسمية تستطيع أن تشرح الإجراءات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجيب عن سؤال شاب يرى أن مستقبله ربما يوجد في مكان آخر.

 

ومن هنا تصبح مسؤولية الحكومة أكبر من مجرد احتواء الأزمة.

 

فإذا كانت الحكومة مطالبة بإدارة الحدود والأمن والهجرة، فهي مطالبة أيضًا بأن تشرح للرأي العام ما حدث، وأن تقدم تقييمًا مؤسساتيًا لما جرى، وأن تكشف ما إذا كانت هناك ثغرات في الاستباق أو التنسيق أو التواصل، وأن تحدد الإجراءات التي ستمنع تكرار السيناريو.

 

خصوصًا أن المغرب مقبل على استحقاق تشريعي جديد.

 

وقبل أن يصل المواطن إلى صندوق الاقتراع، من حقه أن يعرف كيف تعاملت مؤسسات بلده مع واحدة من أكثر الأزمات حساسية في المرحلة الأخيرة.

 

ليس المطلوب تحويل سبتة إلى ورقة انتخابية.

 

بل المطلوب ألا تتحول إلى منطقة رمادية بين المسؤولية الحكومية والتبرير السياسي.

 

فإذا ثبت أن أداء المؤسسات كان سليمًا، فلتظهر الوقائع وتُنصف المؤسسات.

 

وإذا ثبت وجود تقصير، فلتحدد المسؤوليات.

 

وإذا تبين أن شبكات تهريب أو تضليل لعبت الدور الأساسي، فلتكشف الدولة ذلك بالأدلة.

 

وإذا كشفت الأزمة عن اختلالات اجتماعية عميقة، فلتكن مناسبة لمراجعة السياسات العمومية التي لم تستطع إقناع جزء من الشباب بأن المستقبل يمكن أن يصنع هنا.

 

أما ترك كل هذه الأسئلة معلقة، فهو أخطر من الأزمة نفسها.

 

لأن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغًا.

 

إنه يتحول بسرعة إلى إشاعة، والإشاعة إلى رواية، والرواية إلى قناعة، ثم يصبح من الصعب جدًا استعادة الحقيقة بعد أن تكون قد ضاعت وسط آلاف التفسيرات.

 

وهنا أيضًا تكمن مسؤولية الإعلام.

 

فالصحافة المغربية ليست مطالبة بحماية صورة الدولة عبر إخفاء ما يسيء إليها، كما أنها ليست مطالبة بتبني الروايات التي تنتقص من البلد دون تحقق.

 

وظيفتها أصعب من ذلك.

 

أن تقول ما تعرف.

 

وأن تعترف بما لا تعرف.

 

وأن تفرق بين المعلومة والاستنتاج.

 

وأن تمنح الاتهام حقه في الإثبات.

 

وأن تمنح الدولة حقها في الرد.

 

وأن تضع المواطن في قلب القصة، لا على هامشها.

 

فأزمة سبتة ليست فقط قصة حدود بين المغرب وإسبانيا.

 

إنها أيضًا قصة شباب مغربي، وقصة مؤسسات، وقصة صورة وطن، وقصة إعلام، وقصة علاقة بين الدولة والمجتمع.

 

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا ليس فقط: من المسؤول عن لحظة الانفجار؟

 

بل أيضًا: من المسؤول عن الظروف التي جعلت الانفجار ممكنًا؟

 

وهل سنكتفي بإعادة الشباب إلى مدنهم، أم سنعيد معهم الثقة؟

 

هل سنكتفي بتشديد الحدود، أم سنعزز أيضًا فرص العيش الكريم؟

 

هل سنكتفي بنفي الشائعات، أم سنكشف مصدرها؟

 

هل سنكتفي بإحصاء العابرين والضحايا، أم سنسأل عن الإنسان الذي كان وراء كل رقم؟

 

وهل ستتعامل الدولة مع سبتة باعتبارها أزمة يجب نسيانها بعد عودة الهدوء، أم باعتبارها إنذارًا مبكرًا يستحق قراءة وطنية عميقة؟

 

هنا بالضبط تتقاطع المسؤولية الأمنية مع المسؤولية السياسية والاجتماعية والإعلامية.

 

وهنا أيضًا يصبح عيد العرش أكثر من مناسبة للاحتفال.

 

إنه لحظة تلاحم بين العرش والشعب، والتلاحم الحقيقي لا يحتاج إلى الصمت حتى يكون قويًا.

 

يحتاج إلى الثقة.

 

والثقة لا تُبنى بإخفاء الأسئلة، وإنما بالإجابة عنها.

 

لا نحتاج اليوم إلى البحث عن صورة أجمل من الواقع.

 

نحتاج إلى واقع أكثر قوة من الصورة.

 

ولا نحتاج إلى رواية جاهزة عن سبتة.

 

نحتاج إلى رواية تثبتها الوقائع.

 

إذا كانت هناك أخطاء، فليكن تصحيحها عنوانًا للقوة.

 

وإذا لم تكن هناك أخطاء جوهرية، فليكن التحقيق وسيلة لإظهار ذلك.

 

وإذا كانت هناك جهات استغلت الشباب، فلتُكشف.

 

وإذا كانت هناك حملات تضليل منظمة، فليُحدد مصدرها.

 

وإذا كانت جذور الأزمة اجتماعية، فلتتحول المأساة إلى فرصة لمراجعة السياسات.

 

أما أن يبقى السؤال معلقًا، وأن تتولى مواقع التواصل مهمة التحقيق، وأن يتحول “من باع الوطن؟” إلى شعار بدل أن يكون سؤالًا يبحث عن دليل، فذلك لن يخدم الدولة ولا المجتمع ولا الحقيقة.

 

لقد هدأت الحدود، وربما انتهى المشهد الأكثر صخبًا.

 

لكن أزمة سبتة لم تنتهِ بعد.

 

فالمشهد الميداني يمكن أن يختفي، أما الأسئلة التي ولدها فستبقى.

 

والمغرب الذي يريد أن يقدم نفسه للعالم باعتباره بلدًا مستقرًا، صاعدًا، واثقًا من مؤسساته، لا يحتاج إلى أن يخشى هذه الأسئلة.

 

بل يحتاج إلى أن يجيب عنها.

 

من عرف؟

 

متى عرف؟

 

ماذا فعل؟

 

لماذا وصل الوضع إلى ما وصل إليه؟

 

هل كان بالإمكان تفادي المأساة؟

 

ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبت التقصير؟

 

ثم السؤال الأكبر:

 

ماذا سيفعل المغرب حتى لا تصبح سبتة مجرد أزمة عابرة، بينما تبقى أسبابها كامنة في مكان آخر؟

 

هذه الأسئلة ليست ضد الدولة.

 

إنها، في جوهرها، أسئلة من أجل الدولة.

 

لأن الوطن لا تحميه البيانات وحدها، ولا الصور الرسمية وحدها، ولا الحواجز وحدها.

 

يحميه أمن قوي، ومؤسسات يقظة، وحكومة مسؤولة، وإعلام مهني، ومواطن يثق بأن الحقيقة لن تُخفى عنه.

 

وفي لحظة وطنية دقيقة، بين خطاب العرش والاستحقاق التشريعي المقبل، قد تكون أقوى رسالة يمكن أن يقدمها المغرب للعالم هي ببساطة:

 

أن دولة واثقة من نفسها لا تخشى أن تحقق في أزماتها، ولا تخشى أن تحاسب من تثبت مسؤوليته، ولا تخشى أن تقول لشعبها الحقيقة كاملة.

 

فسبتة ليست مجرد قصة حدود.

 

إنها اختبار لمدى قدرة الدولة على تحويل الأزمة إلى درس، والصدمة إلى إصلاح، والأسئلة إلى أجوبة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.