الرؤية/الهاشم ايوب
شهدت مدينة سبتة المحتلة واحدة من أطول وأقسى أزمات الهجرة غير النظامية في تاريخها الحديث، والتي اتخذت طابعًا مأساويًا بعدما قفزت حصيلة الضحايا إلى 57 قتيلاً، أغلبهم قضوا غرقاً في عرض البحر أو نتيجة التدافع الشديد أثناء محاولات الالتفاف سباحة حول الحاجز البحري لمنطقة “تراخال”.
وجاءت هذه الموجة الاستثنائية إثر تدفق بشري غير مسبوق تجاوز نحو 50 ألف مهاجر دخلوا المدينة في ظرف وجيز على دفعات متتالية، غالبيتهم الساحقة من الشباب المغاربة إلى جانب أسر وقاصرين، مستغلين ثغرات مرتبطة بقرارات قضائية ومعلومات مضللة انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي توحي بفتح الحدود.
وعلى الصعيد الميداني، تحركت الأزمة نحو مرحلة الاحتواء بفضل استنفار أمني واسع وتنسيق ثنائي مكثف بين السلطات الإسبانية ونظيرتها المغربية.
وأكدت بيانات وزارة الداخلية الإسبانية وممثلي الحكومة في الجيب المحتل أن الوتيرة الميدانية بدأت في التراجع بصورة ملحوظة بعد عودة ما يقارب 48 ألفاً و300 مهاجر طوعاً إلى التراب المغربي (أي أكثر من 96 بالمئة من إجمالي الوافدين)، وهو ما خفف جزئياً من الضغط الهائل على مرافق الاستقبال وشوارع المدينة التي تجاوز عدد الوافدين فيها نسبة كبيرة من إجمالي سكانها المحليين.
ورغم نجاح هذه الإجراءات في تطويق الطوارئ الميدانية، إلا أن مخلفات المأساة لا تزال قائمة في ظل استمرار فرق الإنقاذ والحرس المدني الإسباني في عمليات التمشيط بحثاً عن مفقودين آخرين.
وفي المقابل، لم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود الجانب الأمني والميداني، بل فتحت باباً واسعاً لتصعيد سياسي ودبلوماسي خانق على مستوى العلاقات الأوروبية والإسبانية.
فقد واجهت حكومة بيدرو سانشيز ضغوطاً قوية وانتقادات حادة من بعض الأطراف الأوروبية التي حملت مدريد مسؤولية الفشل في حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بمفردها.
وتطور هذا الاحتقان القاري إلى خطوات تصعيدية خطيرة تمثلت في إعلان إيطاليا تعليق عضوية إسبانيا في اتفاقية “شينغن” مؤقتاً، في حين رفضت البرتغال الانخراط في هذه الدعوات مفضلة الاكتفاء بتعزيز التنسيق الأمني والمراقبة.
وتزامن ذلك مع تحذيرات أمنية ودبلوماسية دولية، من أبرزها إصدار السفارة الأمريكية في إسبانيا تحذيراً لرعاياها بتجنب السفر إلى سبتة ومليلية تحسباً لأوضاع أمنية غير قابلة للتوقع، مما يعكس تحول الأزمة المحلية إلى قضية جيوسياسية كبرى تلقى بظلالها الثقيلة على سياسات الهجرة والأمن داخل الاتحاد الأوروبي.





