من الدار البيضاء إلى طنجة… على متن البُراق حيث كان الوطن يبكي أبناءه

هيئة التحرير3 ساعات agoLast Update :
من الدار البيضاء إلى طنجة… على متن البُراق حيث كان الوطن يبكي أبناءه

الرؤية/تقي الله الا حازم

 

لم تكن الرحلة التي استقللت خلالها، مساء اليوم، القطار فائق السرعة من محطة الدار البيضاء المسافرين نحو طنجة، مجرد انتقال بين مدينتين. كانت رحلة داخل مشهد اجتماعي مؤلم، يكشف حجم القلق الذي يعيشه جزء من شباب هذا الوطن.

 

منذ لحظة دخولي إلى المحطة، كان المشهد استثنائياً. مئات الشبان والمراهقين يتدفقون نحو فضاءات حجز التذاكر، يحملون حقائب صغيرة وأعيناً معلقة بأمل مجهول. لم يكونوا مسافرين عاديين، بل كانوا، بحسب ما بدا من أحاديثهم، يتجهون شمالاً على أمل الوصول إلى محيط سبتة ومحاولة الهجرة غير النظامية.

 

في مداخل المحطة، كانت عناصر الأمن تبذل جهوداً كبيرة لتنظيم الولوج، وتفتيش المشتبه في توجههم إلى مناطق التجمع، بينما حاول بعض الشباب التسلل بطرق مختلفة، مستعينين بالخداع أو باستغلال لحظات الازدحام. كان واضحاً أن الجميع يعيش سباقاً مع الزمن، وأن الحلم بالنسبة إليهم أصبح أقوى من الخوف.

 

داخل عربات القطار، بدا المشهد أكثر إيلاماً.

 

أحاديث متفرقة تتردد بين المقاعد. شاب يحدث رفيقه عن “الضفة الأخرى” وكأنها نهاية كل المعاناة. آخر يجري اتصالاً بوالدته ليطمئنها قائلاً إن الأمور تسير على ما يرام، بينما كانت نبرة صوته تخفي قلقاً أكبر من الكلمات.

 

ولعل أكثر ما أثار انتباهي هو تعامل بعض مراقبي المكتب الوطني للسكك الحديدية. فقد تجاوزوا دورهم الإداري، وتحولوا إلى موجهين وناصحين، يحاولون إقناع هؤلاء الشباب بخطورة ما يقدمون عليه، وبأن الطريق الذي اختاروه قد ينتهي بمآسٍ لا تُحمد عقباها. كانوا يتحدثون إليهم بلغة الأب والأستاذ، لكن كثيراً من تلك الكلمات كانت تصطدم بإصرار صنعته سنوات من الإحباط.

 

في تلك اللحظات، أدركت أن الأزمة أعمق من مجرد محاولة هجرة غير نظامية.

 

إنها أزمة تبدأ داخل الأسرة، وتمتد إلى المدرسة، وتصل إلى الفضاء الرقمي الذي أصبح، في كثير من الأحيان، يصنع أوهاماً عن حياة مثالية خلف البحار، ويغذي لدى بعض المراهقين قناعة بأن النجاح لا يمكن أن يتحقق إلا خارج الوطن.

 

نحن في حاجة إلى إعادة الاعتبار للأسرة، وإلى مدرسة تستعيد رسالتها التربوية قبل التعليمية، وإلى خطاب إعلامي ورقمي يعيد بناء الثقة بدل تصدير الأوهام.

 

عند الوصول إلى محطة طنجة، كانت الصورة أكثر توتراً.

 

انتشار أمني واسع، وتحركات متواصلة لملاحقة مجموعات من الشباب الذين غادروا المحطة بسرعة. بعضهم تم توقيفه، وآخرون اختفوا بين أزقة المدينة وشوارعها، فيما عرفت وسائل النقل الخاصة انتعاشاً ملحوظاً في الرحلات المتجهة نحو المضيق والفنيدق.

 

كانت طنجة، في تلك الساعات، تبدو وكأنها تستقبل أمواجاً بشرية غير مسبوقة، في مشهد لم أعهده من قبل.

 

وبعد ساعات، عندما عدت إلى الفندق وبدأت أتابع الأخبار والصور القادمة من محيط سبتة، وجدت أن المشهد تحول إلى مواجهات وتوترات بين قوات الأمن ومجموعات من الشباب.

 

كان مؤلماً أن ترى أبناء وطن واحد يقفون في مواجهة بعضهم البعض، بينما يجمعهم جميعاً حلم واحد، وإن اختلفت مواقعهم: حماية الوطن بالنسبة لرجال الأمن، والبحث عن مستقبل أفضل بالنسبة لأولئك الشباب، وإن كان عبر طريق محفوف بالمخاطر.

 

فكيف وصلنا اليوم إلى مرحلة أصبح فيها مئات المراهقين يعتقدون أن المستقبل يبدأ من مغامرة قد تنتهي في البحر أو خلف الأسلاك؟

 

إن ما رأيته لم يكن مجرد رحلة بالقطار.

 

كان مرآة لوطن يواجه تحدياً اجتماعياً وتربوياً كبيراً، يستوجب نقاشاً وطنياً هادئاً ومسؤولاً، يشارك فيه الجميع: الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات، حتى لا يبقى حلم الشباب معلقاً بمجهول قد لا يعود منه كثيرون.

 

اللهم احفظ المغرب، وأدم عليه نعمة الأمن والاستقرار، واحفظ قواتنا المسلحة الملكية، ومختلف أجهزتنا الأمنية، وسائر أبناء هذا الوطن، واجعل الأمل في مستقبلهم يُبنى داخل وطنهم، لا في مغامرات مجهولة المصير.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.