رأي | غرباء في ثوب الحداثة: هل أصبح الأصل هامشا

هيئة التحريرساعتين agoLast Update :
رأي | غرباء في ثوب الحداثة: هل أصبح الأصل هامشا

الرؤية/هيئة التحرير

 

 

بقلم:ياسمين كرير

 

 

 

وسط هذا الضجيج والسرعة التي تتوارى بها الأحداث، صارت عقولنا مقيدة بثقافة غربية لا تمت لنا بصلة، ثقافة تسللت عبر الشاشات وتغلغلت في تفاصيل أيامنا، فأوهمتنا أن التطور يقتضي خلع ثوبنا، وأن اللحاق بالركب يعني التنكر لجذورنا.

نعيش اليوم تناقضاً مرهقا؛ نغوص في بحور العلم والعمل، ونجد أنفسنا مضطرين لاستخدام لغاتهم ومصطلحاتهم لنثبت كفاءتنا، حتى تسلل الخجل إلى أحاديثنا العادية. بات التحدث بلغتنا العربية العريقة، لغة القرآن والهوية، يبدو للبعض وكأنه تراجع أو انغلاق، فاستبدلناها بمفردات هجينة لنثبت للآخرين أننا مواكبون. لقد سرقت منا لغتنا، ومعها بدأ يتسرب اعتزازنا بأنفسنا.

والأدهى من ذلك، أن هذا الانسلاخ لم يتوقف عند حدود اللسان، بل امتد ليزاحم أعظم ما نملك. في زحام هذه الأولويات المستوردة، أصبح القرب من الله أمراً نؤجله لـ “وقت الفراغ” الذي لا يأتي أبداً. نلهث خلف إنجازات وماديات لا تروي عطش الروح، وننسى أن بوصلتنا الحقيقية تبدأ من عنده.

بتنا نخجل من إظهار التزامنا، أو جعل رضا الله غايتنا الأولى، خوفا من أحكام ونظرات تستنكر هذا النقاء في عالم يقدس المظاهر.

لكن المقاومة الحقيقية لا تعني الانعزال عن العصر، بل تتطلب شجاعة استثنائية لمواجهة هذا التيار. تتطلب أن نتحدى أنفسنا وألا نخاف من الظهور والتعبير عن مبادئنا، حتى وإن كنا نتردد أحيانا أو نخشى التقييم ، إنها تتجلى في إدراكنا العميق أن ديننا وهويتنا ليسا قيوداً تعيق تقدمنا، بل هما البوصلة التي تمنحنا التوازن وسط هذا الخضم المادي. نحن قادرون تماما على أن نكون في طليعة التطور، دون أن نجبر على خلع ثوب أصالتنا.

حين ننزل إلى الميدان لنقود مبادرة تنموية، أو نذهب للعمل كالمعتاد ، فنحن لا نقوم بمجرد واجب مدني كما تمليه القوالب المستوردة، بل نحن نمارس عبادة إعمار الأرض. الروح التي تحركنا ليست المنفعة الدنيوية، بل اليقين بأننا خلفاء الله في أرضه، وأن كل عمل فيه نفع هو طريق للتقرب إليه. وحين نكتب نصاً عربياً يعتز بثقافتنا، او نشارك بيتا شعريا فنحن لا نمارس هواية فحسب، بل نحمي ذاكرة أمة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.