الرؤية/الهاشم أيوب
بقلم الاستاذ المحفوظ بوسلام
في كتابه الشهير “الاستشراق 1978، يحلل إدوارد سعيد كيف تُبنى الصور النمطية وتُستخدم لتشكيل الوعي الجماعي. لكن ما يحدث في بعض الدول اليوم هو نوع من “الاستشراق المعكوس”، حيث تمارس الأنظمة الإعلامية الرسمية تضليلاً منهجياً لشعوبها، مستندة إلى ثلاثية مدمرة: تضخيم الذات، الاستغراق في أمجاد الماضي، وتفسير كل إخفاق بنظرية المؤامرة.
آليات التضليل النفسية
يصف عالم النفس الاجتماعي ليون فيستنجر في نظريته حول “التنافر المعرفي كيف يلجأ الأفراد والمجتمعات إلى تبريرات غير منطقية للحفاظ على صورة إيجابية عن الذات عندما تتعارض الحقائق و الواقع مع معتقداتهم. هذا بالضبط ما تستغله الماكينات الإعلامية الرسمية، حيث تقدم تفسيرات بديلة للفشل تحمي الأنا الجماعية من الصدمة.
وفي كتابه “الخيال السوسيولوجي” 1959، يشير تشارلز رايت ميلز إلى أن المشكلات الشخصية تصبح قضايا عامة عندما تتجاوز حدود الفرد لتصبح ظواهر بنيوية. لكن ما نشهده هو العكس: تحويل الفشل البنيوي إلى مؤامرات خارجية، مما يعفي المؤسسات من المساءلة.
حالة دراسية موثقة: كأس أفريقيا 2025
توفر المنافسات الرياضية، وتحديداً كرة القدم، مختبراً حياً لدراسة هذه الظاهرة. في كأس أمم أفريقيا 2025 الذي يُقام حالياً في المغرب، شهدنا أمثلة واضحة على هذا النمط:
حالة مصر
بعد إقصاء المنتخب المصري من نصف النهائي على يد السنغال (0-1) في 14 يناير 2026، تحول الخطاب فوراً إلى نظريات المؤامرة. المدرب حسام حسن صرح بعد المباشرة: “مصر أم العرب وأم أفريقيا، لا أحد يمتلك التاريخ الذي نمتلكه… مصر أقوى من العالم كله، والجميع يغار من مصر. فزنا بكأس أفريقيا 7 مرات، لهذا هناك غيرة”. وأضاف: “هناك أشخاص لا يريدوننا في النهائي، وهؤلاء الأشخاص معروفون”. كما اتهم التحكيم بالانحياز، متسائلاً: “هل رأيتم يوماً لاعباً يحصل على بطاقة صفراء في الدقيقتين الأوليين من نصف نهائي؟ العدالة كانت غائبة” (المصدر: Elbotola.com، 15 يناير 2026).
الأخطر كان سلوك بعض اللاعبين: حيث شوهد اللاعب مروان عطية بعد المباراة يقترب من الحكام ويقوم بحركة بيديه توحي بالمال (فرك الأصابع)، في إشارة واضحة لاتهام الحكام بقبول الرشوة (المصدر: Liverpool.com، 15 يناير 2026).
حالة الجزائر
بعد إقصاء الجزائر من ربع النهائي أمام نيجيريا (0-2) في 10 يناير 2026، قدم الاتحاد الجزائري لكرة القدم شكوى رسمية إلى الكاف (الاتحاد الأفريقي) ضد الحكم السنغالي عيسى سي، متهماً إياه بـ”الانحياز الواضح”. اتهمت الشكوى الحكم بعدم احتساب ركلة جزاء “واضحة” للجزائر بسبب لمسة يد نيجيرية، وعدم استخدام تقنية الفيديو بشكل عادل. وأوضح الاتحاد في بيان رسمي: “الاتحاد الجزائري لا يمكنه تجاهل الأداء التحكيمي الذي أثار العديد من التساؤلات… قرارات معينة أضرت بمصداقية التحكيم الأفريقي” (المصدر: Sport News Africa، يناير 2026).
بعض وسائل الإعلام الجزائرية ذهبت أبعد من ذلك، متسائلة عن الأسباب وراء التغيير المفاجئ للحكم المقرر أصلاً (الصومالي عبد القادر أرتان) وتعيين الحكم السنغالي في اللحظة الأخيرة (المصدر: Al Jazeera، 12 يناير 2026).
يجب التوضيح هنا أن قرارات التحكيم الرياضي قد تكون محل نقاش مشروع، لكن المشكلة تكمن في التحول الفوري والمنهجي نحو نظريات المؤامرة و تجاهل تام و متعمد للتحليل الموضوعي للأداء الفني للمنتخبات نفسها.
البعد السوسيولوجي: الهوية وتضخيم الماضي
يحلل بيير بورديو في نظريته حول “الرأسمال الرمزي” كيف تستثمر المجتمعات في رموزها وأمجادها الماضية لبناء هوية جماعية. المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا الماضي بديلاً عن الحاضر، عندما تُختزل الهوية الوطنية في إنجازات تاريخية دون قدرة على إنتاج إنجازات معاصرة.
وفق “نظرية الهوية الاجتماعية” التي طورها هنري تاجفل وجون تيرنر في السبعينيات، تحتاج المجموعات إلى هوية إيجابية للحفاظ على تقدير الذات الجماعي. يوضح تاجفل وتيرنر في كتابهما “نظرية الهوية الاجتماعية للسلوك بين المجموعات” (1979) أن الأفراد يستمدون جزءاً من مفهومهم عن الذات من انتمائهم للمجموعات الاجتماعية. لكن بناء هذه الهوية على الوهم والإنكار يخلق مجتمعات هشة، غير قادرة على المنافسة أو التطور.
النتيجة: مجتمعات تعاني من انفصام جماعي بين تصديق الخطاب الرسمي المنتصر وإدراك واقعي للتخلف، مما يولد إحباطاً مزمناً وفقداناً للثقة في المؤسسات.
نظرية المؤامرة: سلاح ذو حدين
في كتابه “المؤامرة: لماذا يصدق العقلانيون اللاعقلاني” 2022، يشرح مايكل شيرمر كيف أن نظريات المؤامرة توفر تفسيرات مريحة للأحداث المعقدة، لكنها تؤدي إلى شلل جماعي. عندما يُعزى كل فشل إلى قوى خارجية خفية، يفقد المجتمع قدرته على التغيير الذاتي.
يوضح شيرمر أن “جوهر التفكير التآمري هو: لا شيء يحدث بالصدفة، كل شيء متصل، ولا توجد مصادفات”. هذا النمط من التفكير يحول الفشل البنيوي إلى مؤامرة خارجية، مما يعفي المسؤولين من المساءلة.
الإعلام الذي يروج لهذه النظريات لا يدرك أنه يمارس “عنفاً رمزياً” ضد مجتمعه، بتعبير بورديو. إنه يسلب الناس قدرتهم على الفاعلية ، ويحولهم من فاعلين إلى ضحايا أبديين.
نماذج مضادة: عندما يكون النقد الذاتي ممكناً
لكن ليست كل الفرق العربية والأفريقية تسلك نفس المسار. في نفس البطولة، قدمت بعض المنتخبات نماذج مختلفة في التعامل مع الإقصاء:
تونس: النقد الذاتي رغم الألم
بعد إقصاء تونس من الدور الـ16 أمام مالي (1-1، ثم 3-2 بركلات الترجيح) في 4 يناير 2026، اتخذ الخطاب الرسمي منحى مختلفاً. المدرب سامي الطرابلسي قال بعد المباراة مباشرة: “كانت مباراة صعبة. تونس كانت مسيطرة، لكن لسوء الحظ بعد تسجيل الهدف، حدث شيء لا يُفهم وارتكبنا خطأ. بالطبع، هناك خيبة أمل كبيرة وألم بعد إقصاء تونس من البطولة. الهزيمة تبقى هزيمة، حتى لو جاءت عبر ركلات الترجيح. صحيح أننا كان بإمكاننا التأهل، خصوصاً أن خصمنا لعب بعشرة لاعبين من نهاية الشوط الأول، لكن ذلك لم يحدث” (المصدر: CAFonline.com، 4 يناير 2026).
الأهم كان رد فعل لاعب الوسط حنبعل مجبري (22 عاماً، مانشستر يونايتد) الذي انتقد بصراحة نادرة: “مستويات التدريب، العقلية، الإدارة، والعمل اليومي” في تونس، مقارناً ركود تونس بتقدم المغرب والجزائر (المصدر: Africa Top Sports، 12 يناير 2026). كلماته أثارت جدلاً واسعاً، لكنها سلطت الضوء على الفجوة بين الموهبة والنتائج.
الاتحاد التونسي لكرة القدم أقال المدرب الطرابلسي بالتراضي بعد أقل من 24 ساعة من الإقصاء، معترفاً بالفشل وضرورة التغيير (المصدر: Tunisia Football Federation، 5 يناير 2026).
جنوب أفريقيا: التركيز على المستقبل
بعد إقصاء جنوب أفريقيا من الدور الـ16 أمام الكاميرون (1-2) في 4 يناير 2026، اتخذ المدرب البلجيكي هوغو بروس موقفاً احترافياً. قال بروس بعد المباراة: “نحن خائبون جداً وحزينون لأننا أُقصينا. أعتقد أن لدينا الخطة الصحيحة وكل شخص رأى ذلك، خاصة في الشوط الأول. كان لدينا ثلاث فرص جيدة في الشوط الأول، وكان يمكن أن تنتهي المباراة حينها… لا أستطيع أن أكون غير راضٍ عن الطريقة التي لعبنا بها. الكاميرون استحقت التأهل” (المصدر: Foot Africa، 5 يناير 2026).
بدلاً من البحث عن أعذار خارجية، ركز بروس على المستقبل: “نحن لا نتراجع للوراء… يجب أن نقوم بتقييم جيد لما حدث هنا. كأس العالم ستكون بعد ستة أشهر ونحتاج أن نكون مستعدين لذلك” (المصدر: The South African، 5 يناير 2026). التركيز كان على التعلم من الأخطاء والاستعداد للمستقبل، لا على اتهام الآخرين.
هذه النماذج تثبت أن النقد الذاتي والاحترافية ممكنان، حتى في لحظات الخيبة الكبيرة.
الخلاصة
الإعلام الحقيقي، كما يعرّفه يورغن هابرماس في نظريته حول “المجال العام” ، يجب أن يكون فضاءً للنقاش العقلاني وليس أداة للتضليل. التحرر من هذا النمط يتطلب شجاعة جماعية: شجاعة الاعتراف بالفشل، شجاعة مساءلة المؤسسات، وشجاعة بناء مستقبل لا يعتمد على استعارة مجد الماضي أو اختلاق مؤامرات الحاضر.
كما أظهرت نماذج تونس وجنوب أفريقيا، النقد الذاتي ليس ضعفاً بل قوة. المجتمعات التي تستطيع النظر في المرآة دون تشويه الصورة هي وحدها القادرة على التغيير الحقيقي.





