الرؤية من بوجدور-الهدية رافع
في الوقت الذي تتوالى فيه الإعلانات الرسمية عن المشاريع الاستراتيجية الكبرى المرتبطة بالطاقة المتجددة بالأقاليم الجنوبية، يطرح العديد من سكان بوجدور سؤالا بسيطا لكنه عميق الدلالة: ماذا استفادت المدينة نفسها من كل هذه المشاريع؟
فمنذ سنوات، تحولت بوجدور إلى اسم حاضر بقوة في خرائط الطاقة الوطنية. مزارع رياح ضخمة، خطوط كهربائية عملاقة، واستثمارات بمليارات الدراهم تهدف إلى نقل الكهرباء المنتجة في الجنوب نحو مراكز الاستهلاك والصناعة في وسط وشمال المملكة.
آخر هذه المشاريع ما بات يعرف بـ”الطريق الكهربائي” الرابط بين بوجدور وتنسيفت، وهو مشروع يمتد على حوالي ألف كيلومتر لنقل آلاف الميغاواط من الطاقة المتجددة نحو مناطق أخرى من البلاد.
غير أن المفارقة التي يلاحظها كثير من المتابعين هي أن بوجدور تبدو في هذه المشاريع نقطة عبور أكثر منها نقطة تنمية.
فبينما تغادر الكهرباء المنتجة من الرياح أراضي الإقليم نحو الشبكة الوطنية، لا تزال المدينة نفسها تفتقر إلى عدد من البنيات الأساسية التي يعتبرها السكان أولوية ملحة.
فمشروع المطار الذي تتناقله الأخبار منذ سنوات لم ير النور بعد، والأنشطة الاقتصادية المحلية ما تزال محدودة، كما أن فرص الشغل المباشرة الناتجة عن المشاريع الطاقية الكبرى تبقى محل تساؤل دائم من طرف الشباب المحلي.
الأرقام الرسمية تتحدث عن قدرات إنتاجية ضخمة وعن مساهمة الجنوب في الانتقال الطاقي الوطني، لكن السؤال الذي يظل مطروحا هو:
كم من هذه القيمة المضافة يبقى داخل بوجدور نفسها؟
إن النموذج الاقتصادي السائد في هذه المشاريع يقوم أساسا على استخراج مورد طبيعي محلي، وهو الرياح، ثم نقل القيمة الاقتصادية الناتجة عنه إلى مراكز أخرى حيث توجد الصناعات الكبرى ومناطق الاستهلاك الكثيف.
وبذلك تتحول المدينة إلى فضاء للإنتاج دون أن تتحول بالضرورة إلى قطب اقتصادي يستفيد من النتائج الكاملة لذلك الإنتاج.
ويزداد هذا الشعور لدى بعض الفاعلين المحليين عندما يقارنون بين حجم الاستثمارات المعلنة وبين واقع الخدمات والبنيات الأساسية داخل المدينة.
فالمواطن الذي يرى أبراج نقل الكهرباء العملاقة تعبر مئات الكيلومترات انطلاقا من بوجدور قد يتساءل عن سبب تأخر مشاريع يعتبرها أكثر التصاقا بحياته اليومية، مثل تحسين البنية الصحية، وتوسيع فرص التشغيل، وتطوير التعليم العالي، وإنجاز مشاريع النقل الجوي.
ولا يتعلق الأمر هنا برفض مشاريع الطاقة المتجددة، بل بالعكس. فهذه المشاريع تمثل رهانًا استراتيجيا مهما للمغرب بأكمله.
غير أن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات المعلنة، وإنما أيضا بمدى انعكاسها المباشر على حياة السكان المحليين.
فإذا كانت بوجدور تنتج الطاقة، فمن حق سكانها أن يسألوا: أين هي الصناعات المرتبطة بهذه الطاقة؟ أين هي المناطق الصناعية الجديدة؟ أين هي الاستثمارات التي تخلق الثروة داخل الإقليم بدل نقلها خارجه؟ وأين هي المشاريع القادرة على تحويل المدينة من مصدر للطاقة إلى مركز اقتصادي متكامل؟
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في بناء المزيد من خطوط نقل الكهرباء، بل في بناء نموذج تنموي يجعل جزءا معتبرا من القيمة الاقتصادية المتولدة من ثروات بوجدور يبقى داخل بوجدور نفسها. فالتنمية ليست أن تمر المشاريع عبر المدينة، بل أن تترك أثرها فيها.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل السؤال قائما: هل أصبحت بوجدور خزانًا للطاقة الوطنية، أم أنها ما زالت تنتظر نصيبها الكامل من هذه الثورة؟





