الرؤية/أريام الزيعر
لطالما شكلت الجالية المغربية المقيمة بالخارج أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني، ليس فقط لما تضخه من تحويلات مالية سنوية بمليارات الدراهم، بل أيضًا لما تمتلكه من كفاءات علمية وخبرات مهنية وشبكات علاقات اقتصادية تمتد عبر مختلف دول العالم. غير أن هذه الإمكانات ظلت، لسنوات طويلة، تُستثمر بشكل محدود، إذ بقيت التحويلات المالية تتجه في معظمها إلى الاستهلاك أو اقتناء العقارات، بينما لم تحظَ الاستثمارات الإنتاجية بالنصيب الذي يوازي حجم هذه الطاقات.
واليوم، يبدو أن الحكومة المغربية تسعى إلى تغيير هذه المعادلة عبر تبني رؤية جديدة تراهن على جعل مغاربة العالم شركاء حقيقيين في التنمية الاقتصادية. وتندرج هذه الرؤية ضمن خارطة طريق تهدف إلى رفع مساهمة استثمارات الجالية في الاستثمار الخاص، من خلال تحسين مناخ الأعمال، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وإحداث آليات للمواكبة داخل المراكز الجهوية للاستثمار، إضافة إلى تشجيع المشاريع المبتكرة وربط المستثمرين بفرص الاستثمار المتاحة في مختلف جهات المملكة.
ويأتي هذا التوجه في ظل استمرار تحويلات الجالية في تسجيل مستويات مرتفعة، وهو ما يعكس متانة ارتباط المغاربة المقيمين بالخارج بوطنهم، وثقتهم في اقتصاده. غير أن المؤشرات الاقتصادية تؤكد في الوقت نفسه أن الجزء الأكبر من هذه الأموال لا يزال يوجه إلى الإنفاق العائلي أو الادخار، بدل أن يتحول إلى مشاريع إنتاجية قادرة على خلق الثروة، وتوفير مناصب الشغل، والمساهمة في التنمية الجهوية.
لكن الرهان لا يتعلق فقط بتوفير التحفيزات المالية أو تنظيم المنتديات الاقتصادية. فالمستثمر، سواء كان داخل المغرب أو خارجه، يبحث أولًا عن بيئة تتسم بالوضوح والسرعة والشفافية. لذلك فإن نجاح هذه الاستراتيجية يظل مرتبطًا بقدرة المؤسسات على تقليص التعقيدات الإدارية، وتسريع معالجة الملفات، وتوفير المواكبة القانونية والتقنية، وضمان استقرار القوانين المؤطرة للاستثمار.
وفي المقابل، تمتلك الجالية المغربية مؤهلات تجعلها أكثر من مجرد مصدر للعملة الصعبة. فهناك آلاف رجال الأعمال والمهندسين والأطباء والباحثين وأصحاب الشركات الناشئة الذين راكموا خبرات دولية يمكن أن تنقل إلى المغرب نماذج جديدة في الإدارة والتكنولوجيا والصناعة والاقتصاد الرقمي. ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على الأموال، بل يشمل أيضًا نقل المعرفة والخبرة وبناء شراكات دولية تعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.
كما يمكن للجهات والأقاليم أن تستفيد بشكل مباشر من هذه الدينامية، عبر إعداد بنوك للمشاريع المحلية وعرضها على أبناء الجالية المنحدرين من تلك المناطق، بما يخلق استثمارات مرتبطة بالخصوصيات الجهوية، سواء في السياحة، أو الفلاحة، أو الطاقات المتجددة، أو الصناعات الغذائية، أو الخدمات.
ورغم المؤشرات الإيجابية، فإن الطريق لا يزال يتطلب معالجة عدد من التحديات، أبرزها تعقيد بعض المساطر، وطول آجال الحصول على التراخيص، وصعوبة الولوج إلى المعلومة الاستثمارية، إضافة إلى الحاجة إلى رقمنة الخدمات بشكل كامل لتسهيل التواصل مع المستثمرين المقيمين بالخارج.
إن تحويل الجالية المغربية من مصدر للتحويلات المالية إلى شريك استراتيجي في التنمية ليس مجرد شعار اقتصادي، بل هو خيار تنموي ينسجم مع التحولات التي يشهدها المغرب. وإذا نجحت الحكومة في ترجمة وعودها إلى إجراءات عملية وملموسة، فقد تصبح استثمارات مغاربة العالم إحدى أهم ركائز النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة، بما يعزز التنمية ويخلق فرصًا جديدة للأجيال القادمة، ويجعل العلاقة بين الوطن وأبنائه في الخارج علاقة قائمة على الاستثمار والإنتاج، لا على التحويلات المالية وحدها.





