رأي | هل نريد صحافة تسأل… أم صحافة تقول ما يحب الجميع سماعه؟

هيئة التحريرساعتين agoLast Update :
رأي | هل نريد صحافة تسأل… أم صحافة تقول ما يحب الجميع سماعه؟

الرؤية/ الهدية رافع

 

 

 

منذ أن وطأت الخوارزميات عرش المشهد الإعلامي وصار قياس “الرواج” محكوما بعدد النقرات والتفاعلات الفورية، وُضعت الصحافة أمام اختبار أخلاقي ووجودي غير مسبوق، فبدل أن تظل بوصلة تسائل السلطة وتزعج اليقينات، انزلق قطاع واسع منها نحو موقع التابع الذي يصفق للجمهور ويسوق له ما يشتهي سماعه لا ما يحتاج إلى معرفته.

لقد تحولت المعادلة عند كثيرين من سؤال يبحث عن الحقيقة إلى صدى يكرر ما يطيب للجميع سماعه، وتحديدا حين وُلدت الصحافة الرصينة لتكون سلطة رابعة وعينا ساهرة تحفر تحت السطح وتطرح الأسئلة الصعبة التي تتفادى الأغلبية مجابهتها لزعزعة اليقين المريح وكشف التناقضات، غير أن العصر الرقمي فرض إكراهات جديدة بات فيها الإعجاب والمشاركة مقياسا للنجاح وارتبط تدفق الإيرادات طرديا بعدد النقرات.

هذا التحول التجاري والنفسي أفرز صحافة الاسترضاء التي يتخلى فيها الصحفي عن دور المحقق الباحث عن الحقيقة ليتقمص دور صانع المحتوى الذي يغازل مشاعر الجمهور ويجامل أحكامه المسبقة تعزيزا للتحيز التأكيدي، بحيث يشعر المتلقي بالراحة لرؤية أفكاره مكررة أمامه لا لأنه واجه أسئلة جديدة تختبر صلابة قناعاته.

وحين تفقد الصحافة رغبتها في طرح الأسئلة الحرجة، تتحول إلى مجرد صدى صوتي لمزاج عام متقلب وعاطفي يميل بطبيعته نحو التبسيط واختزال القضايا المعقدة في ثنائيات قطبية ساذجة بين أبيض وأسود أو بطل وخائن، في حين ترفض الصحافة الحقة هذا الاختزال لتدرك أن الواقع الرمادي هو الميدان الحقيقي للحقيقة.

إن أسئلة من قبيل لماذا فشلت هذه السياسة ؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذا القرار الشعبي؟ وما هي التبعات البعيدة المدى لهذه الانفعالات الجماعية ؟ تواجه غالبا بالرفض أو التخوين من جمهور أدمن هرمون اليقين المطلق، لكن البديل يظل مرعبا لأن الصحافة التي تصفق للجميع لا تؤدي دورا إخباريا بل تمارس تخديرا جمعيا.

إن إنقاذ المهنة لا يتحقق بالخضوع لمنطق السوق الرقمي البحت ولا بالنزول عند رغبة الحشود في سماع ما يطري مخاوفهم، بل بامتلاك شجاعة السؤال المزعج وتحمل كلفة الغضب المؤقت مقابل بناء الوعي المستدام لأن الجمهور الذكي لا يبحث عمن ينافقه بل عمن يحترمه بما يكفي ليواجهه بالحقائق المعقدة، وألا ترضى الصحافة بأن تحط من قدرها لتصبح مرآة رخيصة تعكس ما يشتهيه الناظرون بدلا من أن تكون بوصلة توجه المجتمع نحو النور.

من منظور نقدي متقدم، يعاني هذا الطرح من مثالية إنشائية تتجاهل البنية الهيكلية لاقتصاد وسائل الإعلام الحديث.

إن تحميل الصحفي أو المؤسسة الإعلامية وحدها وزر النزوع نحو الشعبوية يغفل حقيقة أن الصحافة لم تعد كائنا بمعزل عن منظومة الرأسمالية الرقمية التي صممت خوارزمياتها خصيصا لمكافأة الاستجابات العاطفية الفورية ومعاقبة التعقيد الفكري.

إن الحديث عن شجاعة السؤال المزعج يتطلب بالضرورة تفكيك النماذج الاقتصادية التي تجبر المؤسسات على الاختيار بين الإفلاس المالي أو الاستسلام لمنطق السوق، فالمشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في ضعف شجاعة الصحفيين، بل في غياب آليات التمويل البديلة والمستقلة التي تحمي العمل الصحفي من ابتزاز الإعلانات ونقرات الجمهور.

وبدون إيجاد حاضنة اقتصادية ومؤسسية تمول الصحافة بمعزل عن معادلة الاستهلاك الجماهيري البحت، ستظل دعوات العودة إلى الصحافة الرصينة شعارات أخلاقية حسنة النية عاجزة عن تغيير الواقع القاسي الذي يحكم صناعة الخبر اليوم.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.