الرؤية/هيئة التحرير
بقلم :اية اسويح
كان الآباء قديمًا يورثون أبناءهم القيم قبل الأموال، ويغرسون فيهم الأخلاق قبل الشهادات. أما اليوم، فأصبح كثير من الأطفال يعرفون كيف يستخدمون الهاتف قبل أن يعرفوا كيف يحترمون الكبير، ويجيدون تقليد المشاهير أكثر من تقليد آبائهم.
لم تعد الأزمة أن الأسرة غائبة، بل أن حضورها أصبح جسديًا أكثر منه تربويًا. نجلس حول مائدة واحدة، لكن كل واحد يعيش في عالمه الخاص، حتى أصبحت الشاشات تتحدث إلى الأبناء أكثر مما يتحدث إليهم آباؤهم.
والحقيقة المؤلمة أن التربية لا تقبل الفراغ. فإذا لم تملأ الأسرة عقل الطفل بالقيم، ملأه غيرها بالأفكار. وإذا لم يتعلم داخل بيته معنى الرحمة، والاحترام، وضبط النفس، فسيتعلم من عالمٍ لا يهتم إلا بجذب الانتباه، ولو كان الثمن تشويه الأخلاق.
ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا انتشر التنمر؟ ولماذا ضعفت شخصية بعض الأطفال؟ ولماذا أصبح الاحترام عملة نادرة؟ وكأننا نبحث عن ثمار مختلفة، بينما الجذور نفسها لم تعد تُسقى.
الأطفال لا يحتاجون إلى منزل فاخر بقدر حاجتهم إلى بيت يسمعهم،ولا يحتاجون إلى أحدث الأجهزة بقدر حاجتهم إلى أبٍ حاضر، وأمٍ تُربي، وقدوةٍ يعيشونها كل يوم. فالكلمات تُنسى، أما الأفعال فتبقى عالقة في الذاكرة، ومنها تُصنع الشخصيات.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يقلقنا جميعًا: إذا لم تُربِّ الأسرة أبناءها، فمن سيربيهم؟ لأن المجتمع لا يصنع الإنسان، بل يستقبل ما صنعته الأسرة. فإذا صلحت البيوت، صلح المجتمع، وإذا تنازلت الأسرة عن دورها، فلن تعوضه أي مدرسة، ولا أي شاشة، ولا أي مؤسسة في العالم.





