الرؤية – سياسة
قارب هشام برجاوي، أستاذ القانون الدولي بجامعة محمد الخامس بالرباط، في مقال له، الكيفية التي تدبِّر بها الدبلوماسية تداخلَ مصالح الحلفاء والشركاء في ملف الصحراء المغربية، مستحضرا العلاقات المغربية الإسرائيلية والأمريكية من جهة، والعلاقات المغربية الفرنسية والإسبانية والجزائرية من جهة ثانية.
هذا نص المقال:
لم يكن إعراب المغرب عن استعداده لاستئناف علاقات رسمية مع إسرائيل مقابل الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء قرارا معزولا، نظرا لأن السياق الجيو-سياسي، الذي جرى اتخاذه فيه، يتسم بالتعقيد والتشابك على الجبهات الثلاث التقليدية المرتبطة بقضية الصحراء المغربية: فرنسا وإسبانيا والجزائر من جانب، وامتدادات هذه الجبهات ضمن شبكة متحركة من الحلفاء والشركاء من جانب آخر.
على الصعيد الجزائري، ساهم انضمام المغرب إلى الاتحاد الإفريقي وفتحه لقنوات التواصل والتعاون مع الدول الإفريقية الأنغلوفونية، في تفاقم التوتر والتشنج لدى قادة الجزائر وإذكاء شعورهم بالعزلة، مما زرع فيهم القابلية لتنفيذ أكثر السيناريوهات قتامة، بما فيها الحرب.
على الصعيد الفرنسي، لا تزال سماء العلاقات بين باريس والرباط ملبدة بالغيوم، كما أن الأزمة الطاقية التي أنتجها النزاع المسلح الروسي-الأوكراني، دفعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تبني تقارب مع النظام الجزائري، رافقه تسويق إعلامي من الحجم غير المألوف، وهو الموقف الذي زاد من اكفهرار العلاقات الفرنسية-المغربية، رغم أن موقف باريس على مستوى منظمة الأمم المتحدة ظل منسجما مع مقترح الحكم الذاتي الذي تقدمت به الرباط. ما يعني أن الدبلوماسية الفرنسية تحاول الإبقاء على ازدواجية موقفها من خلال الإفصاح عن دعم المغرب عبر قناة منظمة الأمم المتحدة المتسمة بطابع متعدد الأطراف من ناحية وتبني التهدئة والممالأة مع الجزائر عبر قناة العلاقات الثنائية من ناحية أخرى، علما أن الممارسة الدبلوماسية في الإطار متعدد الأطراف تتيح فرصة مواجهة الضغوطات المتناقضة بصفة متراصة مقارنة مع المواجهات المباشرة التي تقع بين الدول في إطار العلاقات الثنائية.
ومما فاقم، أيضا، من التعقيدات على الجبهة الفرنسية، الضغط الذي يمارسه قادة الجزائر على الرئيس الفرنسي، حيث أن استثمار الماضي الاستعماري يؤهل السلطات الجزائرية للتصعيد ضد فرنسا كلما حاولت الاقتراب، خطابيا وإعلاميا، من الموقف المغربي. وهنا، يمكن أن نتذكر أن ماكرون نفسه، بادر إلى انتقاد كيفية تعاطي النظام الجزائري مع الإرث الاستعماري، إذ لم يتردد في وصفه بـ”الريع الذاكراتي”. وإن كان هذا المصطلح، ونظائره، غير مستجد في خطاب رؤساء الجمهورية الفرنسية الخامسة إزاء الجزائر، إلا أن شحنته الرمزية على الأقل، تبين أن قصر المرادية يضغط باستمرار على قصر الإليزيه، وقد تصاعدت شدة هذا الضغط وكذا فعاليته التكتيكية في أعقاب التداعيات الطاقية التي ترتبت عن النزاع المسلح بين موسكو وكييف.
أما الجبهة الاسبانية، فقد شهدت تطورا هاما بعد أن اتخذ رئيس الحكومة الإسبانية موقفا داعما، بصورة نسبية، للمغرب في ملف الصحراء. وفي هذا الصدد، يجوز الدفع بأن الحكومة الإسبانية قد قدمت أقصى ما لديها لفائدة المغرب نظرا لأن مصلحتها تقتضي، إضافة إلى التهدئة مع المغرب، صون التوازن الشائك مع الطرف الجزائري. ولا بد، هنا، من الإشارة إلى أن مدريد تحظى بوضع تفاوضي حيال الجزائر أكثر صلابة من الوضع التفاوضي الفرنسي، ذلك أن إسبانيا تتمتع بمكانة مركزية في الملف الصحراوي لأنها السلطة الاستعمارية السابقة.
لذلك، يلاحظ أن حكام الجزائر لا يتبنون خطابا تصعيديا شديد الوطأة ضد إسبانيا رغم تبني هذه الأخيرة، خطابيا على الأقل، موقفا قريبا من المغرب، بينما لا يترددون في التصعيد بحزم ضد فرنسا إن هي أبدت موقفا إعلاميا مؤيدا للتمامية الترابية المغربية.
جدير بالذكر أيضا، أن التطور النسبي في الموقف الإسباني إزاء الوحدة الترابية المغربية، قد أسقط ذريعة كلاسيكية لطالما توارت خلفها بعض دول أوروبا الغربية لتبرير تصريحات مسؤوليها المضببة حول الملف الصحراوي، حيث كانت هذه الدول، إلى وقت قريب، تزعم أن مواقفها نابعة من ضرورة إيجاد موقف أوروبي مشترك، إلا أن ما قامت به إسبانيا أسقط الغطاء السياسي عن هذا التبرير، علما أن ركيزته القانونية مفعمة بالهشاشة لأن السياسة الخارجية لا تزال ضمن اختصاصات الدولة القُطْرِية في الاتحاد الأوروبي، ولم يتم نقلها، كليا، إلى حزمة الاختصاصات الاتحادية، وهو ما يفسر نشوء تباينات في مواقف الدول-الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حيال الأزمات الدولية.
سابقا، كان باستطاعة الرباط أن تعتمد على مدريد وباريس لكبح الجزائر، خاصة عندما تسعى هذه الأخيرة إلى إخماد أو تهدئة التهاباتها الداخلية بتأجيج الخطاب المعادي للمغرب والذي (أي الخطاب العدائي ضد المغرب) يجري، في الغالب، تأثيثه بجهاز مفاهيمي مليء بأيديولوجيا زمن الحرب الباردة.
أمام تضاؤل مفعول المُسَكِّن الفرنسي والإسباني، وفق الخصوصيات التي انصرم ذِكرها، بقي للمغرب استقطاب الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يكن ذلك متاحا، بصفة متراصة نوعا ما، إلا من خلال البوابة الإسرائيلية. وهو ما جرى إعماله عبر إبرام تفاهمات دجنبر 2020 والتي كان من المتوقع أن يستمر مفعولها بعد وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، ذلك أنه لا يخفى على متابعي الشأن السياسي الأمريكي أن بايدن اشتهر، منذ بدايات مساره السياسي، بتأييده المطلق لإسرائيل.
لقد أفرزت اتفاقات دجنبر 2020 دعما نوعيا للوحدة الترابية المغربية لأنها أتاحت تقليص الهوة بين الموقف الأمريكي من الصحراء في سياق العلاقات الثنائية من ناحية وفي سياق العلاقات متعددة الأطراف، التي تتم ممارستها على الساحة الأممية، من ناحية أخرى.
يبدو أن الحسابات التي وضعتها الدبلوماسية المغربية ذات جدوى، مما يستوجب ترصيدها وتقويتها من خلال الاستمرار في تدعيمها بخلق دينامية مؤيدة للمغرب في مناطق أخرى أهمها أمريكا اللاتينية والوسطى، حيث يمكن لبراديغم “التعاون جنوب-جنوب” الذي يعتمده المغرب أن يخلق استقطابا معززا لقضية الصحراء، كما أن مواصلة الانفتاح على روسيا والصين والهند وكذا دول أوروبا الشرقية ضرورية لخلق تقاطبات متعددة تعطي للدبلوماسية المغربية أوراقا تفاوضية متنوعة.





