الرؤية/الهاشم أيوب
تواجه مهنة الصيدلة في المغرب منعطفاً تاريخياً حاسماً، مع تصاعد حدة الجدل حول مقترحات “فتح رأسمال الصيدليات” أمام المستثمرين غير المهنيين. وبينما يرفع مجلس المنافسة راية “العصرنة والنجاعة الاقتصادية”، ترى القواعد المهنية في هذه الخطوة “رصاصة رحمة” على استقلالية الصيدلي، وبداية لتحويل الدواء من خدمة صحية إلى سلعة خاضعة لقوانين البورصة.
“زلزال” التوصيات: الاستثمار أولاً؟
فجّرت التوصيات الأخيرة الصادرة عن مجلس المنافسة نقاشاً لم يهدأ، حيث دعا المجلس إلى إعادة النظر في القوانين المنظمة لملكية الصيدليات (القانون 17.04)، معتبراً أن حصر الملكية في الصيدلي المهني يشكل “عائقاً أمام تدفق الاستثمارات”. ويؤكد أنصار هذا التوجه أن الانفتاح على رؤوس الأموال الخارجية سيسمح بـ:
- تحديث شبكة التوزيع وتعميم الرقمنة.
- خفض أسعار الأدوية عبر آلية “اقتصاديات الحجم”.
- تطوير الخدمات الصحية الموازية داخل الصيدليات.
“قدسية المهنة” في الميزان
في المقابل، وصفت الهيئات النقابية للصيادلة هذه المقترحات بـ”الاختراق الخطير”. ويرى المهنيون أن دخول “اللوبيات المالية” سيؤدي حتماً إلى “تسليع الدواء”.
وفي هذا الصدد، صرح رئيس المجلس الوطني لهيئة صيادلة المغرب، بأن “الصيدلي هو الحارس الأمامي للأمن الصحي، واستقلاليتة هي الضمانة الوحيدة للمريض؛ فإذا أصبح الصيدلي أجيراً لدى صندوق استثماري، سيتحول قراره من طبي علمي إلى تجاري صرف يبحث عن الرفع من معدل المبيعات”.
مخاوف من “صحارى دوائية”
لا تتوقف المخاوف عند حدود المهنة، بل تمتد لتشمل “العدالة المجالية”. فحسب الخبراء، يميل المستثمرون عادة نحو المناطق ذات الكثافة السكانية والقوة الشرائية العالية (المراكز الحضرية الكبرى)، مما قد يؤدي إلى:
- إفلاس صيدليات الأحياء: عدم قدرة الصيدليات الصغرى على منافسة السلاسل الكبرى.
- خلق فجوات جغرافية: تهميش المناطق القروية والنائية التي لا تحقق أرباحاً مغرية لرؤوس الأموال.
السيادة الدوائية.. الخط الأحمر
يربط المحللون الاقتصاديون بين هذا الملف والسيادة الدوائية للمملكة. فسيطرة مجموعات استثمارية على قنوات التوزيع النهائي قد تمنحها قوة ضاغطة على المصنعين المحليين، مما قد يفتح الباب أمام استيراد الأدوية الأجنبية على حساب الصناعة الوطنية، وهو ما يتناقض مع التوجهات الاستراتيجية للمغرب لتحقيق الاكتفاء الذاتي الدوائي.
سيناريوهات “الخروج من النفق”
أمام هذا الاستعصاء، تبرز على طاولة النقاش سيناريوهات لـ”حل وسط”، لعل أبرزها:
- نموذج الأغلبية المهنية: السماح بمساهمات مالية محدودة لا تتجاوز 49% مع الاحتفاظ بحق الإدارة للصيادلة.
- الاندماجات المهنية: تشجيع الصيادلة على التجمع في شكل تعاونيات كبرى لمواجهة المنافسة دون التفريط في الملكية.
يبقى قرار الحسم بيد المشرع المغربي، الذي يجد نفسه اليوم أمام معادلة صعبة: كيف يحقق التحديث الاقتصادي المنشود في قطاع الدواء، دون أن يسقط “قدسية” مهنة الصيدلة في فخ الأرقام والمضاربات؟





