الهدية رافع
في كل الديمقراطيات المحترمة، تأتي الانتخابات لتفتح الباب أمام الكفاءات، وتمنح الناس فرصة محاسبة الفاشلين وتغيير الوجوه التي استهلكت السلطة .
لكن في هذا الركن المنسي من الوطن، لا تُنظم الانتخابات لاختيار من يخدم الناس… بل لتحديد أي فرع من العائلة سيضع يده على الختم هذه المرة.
الصورة أمامنا لا تشبه حملة سياسية بقدر ما تشبه “لوحة شرف عائلية” معلقة في صالون كبير، ينقصها فقط تعليق يقول:
“العائلة تشكر الساكنة على ثقتها المتوارثة.”
ثمانية مرشحين… ونصفهم يحمل نفس اللقب.
وكأن المدينة عقمت فجأة عن إنجاب أسماء أخرى، أو كأن السياسة أصبحت حكرا جينيا ينتقل عبر الدم لا عبر الكفاءة.
حتى التصميم يوحي وكأن الأمر إعلان لمسلسل رمضاني: “آل أبا — الموسم الانتخابي الجديد.”
بطولة جماعية، إخراج حزبي، وإنتاج من جيوب المواطنين.
السياسة عندهم ليست قناعة… إنها استثمار عائلي طويل الأمد، واحد يترشح اليوم، والثاني يحجز مقعد الغد، والثالث يُترك احتياطا لأي طارئ انتخابي.
أما أنت ، فمطلوب منك فقط أن تبقى فقيرا بما يكفي لتقتنع ” ببيشات “من الزيت وكيس دقيق ولا ننسى “قوالب ” السكر، أو مريضا بما يكفي لتصدق وعود “التنمية”.
والمفارقة الساخرة أن الجميع يتحدث عن “خدمة المواطن”، بينما المواطن نفسه يعيش كل يوم وسط بطالة، وحفر، ومستشفيات مهترئة، وأحياء مهمشة، وشباب يهاجر بالقوارب أو يدفن أحلامه في المقاهي.
فإذا كانت هذه الوجوه تدير الشأن المحلي منذ سنوات، فمن المسؤول عن هذا الخراب؟
ومن سيحاسب من؟
العائلة؟
أم العائلة الأخرى داخل نفس اللائحة؟
ثم دعونا نسأل بصراحة تؤلم:
إذا كانت السياسة فعلا خدمة للوطن، فلماذا تتكرر نفس الأسماء دائما حول السلطة؟
ولماذا يشعر المواطن أن الكرسي يُورَّث أكثر مما يُنتخب؟
وكيف لعائلة واحدة أن تنتج هذا العدد من “الإستقلاليين” فجأة، بينما آلاف الشباب أصحاب الكفاءة لا يجدون حتى فرصة للظهور؟
وهل أصبحت الجماعات المحلية مشاريع عائلية تُدار باسم الأحزاب؟
ومن يضمن أن القرارات تُتخذ لصالح الناس لا لصالح شبكة المصالح نفسها؟
ثم السؤال الأكثر أهمية:
إذا اختفت هذه العائلات من المشهد يوما واحدا… هل ستتوقف المدينة عن الحياة فعلا؟
أم سنكتشف متأخرين أن الوهم كان أكبر منهم جميعا؟
وفي الأخير، يبقى المواطن واقفا أمام هذه البوسترات، حائرا بين سؤالين:
هل أضع صوتي في الصندوق…
أم أضع “أبا” بعد اسمي لعلّي أحصل أنا أيضا على فرصة في الانتخابات القادمة.





