الرؤية/الهاشم أيوب
بقلم الاستاذ المحفوظ بوسلام
في لحظات كهذه، حين يضيع حلم قريب جداً من بين الأيدي، يصعب على القلب أن يستوعب الألم. لكن دعونا نهدأ قليلاً، ونتذكر أن الرياضة – بكل جمالها وقسوتها – مرآة للحياة نفسها: فيها الفرح والحزن، النجاح والإخفاق، وفيها دائماً فرص أخرى
الفوز والهزيمة: وجهان لعملة واحدة
كرة القدم لعبة، وفي كل لعبة هناك فائز وخاسر. هذه ليست مأساة، بل هي طبيعة الرياضة. ضربة الجزاء الضائعة في الدقيقة الأخيرة موجعة، نعم، لكنها جزء من اللعبة التي نحبها جميعاً. لو كان الفوز مضموناً دائماً، لما كان هناك معنى للمتابعة أصلاً.
عظماء لم يفوزوا، وصغار حققوا المستحيل
التاريخ الرياضي مليء بالمفارقات التي تؤكد أن البطولات لا تقيس حقيقة القوة أو التقدم:
**منتخبات عظيمة لم تفز ببطولات قارية أو عالمية:**
– **هولندا**: منتخب “البرتقال الميكانيكي” الأسطوري،منتخب اخترع الكرة الشاملة قدم أجمل كرة في السبعينيات مع كرويف وريب وزملائهما، لكنه لم يفز بكأس العالم قط رغم وصوله لثلاث نهائيات (1974، 1978، 2010).
– **المجر**: في الخمسينيات، كان المنتخب المجري بقيادة بوشكاش يُعتبر الأفضل في العالم، لكنه خسر نهائي كأس العالم 1954 أمام ألمانيا الغربية.
– **إنجلترا**: مخترعة كرة القدم، لم تفز بأي بطولة أوروبية سوى مرة واحدة في تاريخها (يورو 2021 كانت نهائياً خاسراً أمام إيطاليا).
**دول صغيرة حققت المفاجآت:**
– **اليونان** فازت بكأس أوروبا 2004 في مفاجأة تاريخية رغم إمكانياتها المحدودة.
– **الدنمارك** فازت بيورو 1992 رغم أنها لم تكن حتى مشاركة في البطولة أصلاً (شاركت كبديل).
– **كوستاريكا** وصلت لربع نهائي كأس العالم 2014، متفوقة على منتخبات أكبر منها بكثير.
أساطير أضاعوا ضربات جزاء في نهائيات
حتى العظماء يخطئون، وهذا ما يجعلهم بشراً مثلنا:
– **روبيرتو باجيو** (إيطاليا): نجم إيطاليا وأفضل لاعب في العالم، أضاع ضربة الجزاء الحاسمة في نهائي كأس العالم 1994 أمام البرازيل.
– **ميشيل بلاتيني** (فرنسا): أسطورة فرنسا، أضاع ركلة جزاء في نصف نهائي كأس العالم 1982 أمام ألمانيا.
– **ليونيل ميسي**: أعظم لاعب في جيله، أضاع ركلة جزاء في نهائي كوبا أمريكا 2016 أمام تشيلي.
– **كريستيانو رونالدو**: أضاع أيضاً ركلات جزاء مهمة في مسيرته رغم عظمته.
كل هؤلاء تجاوزوا إخفاقاتهم وواصلوا تحقيق الإنجازات. اللاعب الذي أضاع ركلة الجزاء بالأمس سيحظى بفرص أخرى، وقد يكون هو نفسه من يمنح المغرب لقباً مستقبلا
التفوق القاري لا يعني التفوق العالمي
هناك مفارقة مثيرة للاهتمام في عالم كرة القدم: منتخبات تهيمن على قارتها وتحصد الألقاب القارية، لكنها تختفي تماماً على المستوى العالمي. وعلى العكس، منتخبات متواضعة قارياً حققت إنجازات عالمية مذهلة.
**منتخبات عملاقة قارياً، لكنها متواضعة عالمياً:**
– **مصر**: الأكثر تتويجاً بكأس أمم أفريقيا (7 مرات: 1957، 1959، 1986، 1998، 2006، 2008، 2010)، لكنها شاركت في كأس العالم 3 مرات فقط ولم تتجاوز دور المجموعات قط. حضور قاري طاغٍ، وغياب عالمي لافت.
– **الجزائر**: بطل أفريقيا مرتين (1990، 2019)، ومستوى قاري مميز في العقدين الأخيرين، لكن أفضل إنجاز عالمي كان الوصول لدور الـ16 في مونديال 2014.
– **الكاميرون**: بطل أفريقيا 5 مرات، وأول منتخب أفريقي يصل لربع نهائي كأس العالم (1990)، لكنها لم تحقق شيئاً استثنائياً عالمياً منذ ذلك الحين.
– **المكسيك**: هيمنت على بطولات الكونكاكاف (12 لقباً)، لكنها لم تتجاوز دور الـ16 في كأس العالم منذ عام 1986 رغم مشاركتها المستمرة.
– **اليابان**: بطل آسيا 4 مرات (1992، 2000، 2004، 2011)، ومهيمنة على القارة منذ التسعينيات، لكن أفضل نتيجة لها عالمياً كانت الوصول لدور الـ16.
**منتخبات متواضعة قارياً، لكنها حققت إنجازات عالمية:**
– **كرواتيا**: لم تفز قط ببطولة أوروبية، ولم تصل حتى لنهائي يورو، لكنها وصلت لنهائي كأس العالم مرتين (1998 و2018) وحصلت على المركز الثالث مرة (2022). إنجاز عالمي مذهل مقابل غياب قاري تام عن الألقاب.
– **المغرب**: لم يفز بكأس أمم أفريقيا سوى مرة واحدة (1976)، ورصيده القاري متواضع مقارنة بمصر أو الكاميرون، لكنه وصل لنصف نهائي كأس العالم 2022 (إنجاز أفريقي وعربي تاريخي).
– **كوريا الجنوبية**: فازت ببطولة آسيا مرتين فقط (1956، 1960)، وغابت عن التتويج القاري لأكثر من 60 عاماً، لكنها وصلت لنصف نهائي كأس العالم 2002 (استضافة مشتركة مع اليابان).
– **السنغال**: لم تفز بكأس أمم أفريقيا سوى مرتين (2022- 2025)، لكنها وصلت لربع نهائي كأس العالم 2002، وتُعتبر من أقوى المنتخبات الأفريقية عالمياً رغم رصيدها القاري المحدود.
– **الإكوادور**: لم تفز قط بكوبا أمريكا رغم مشاركاتها المتعددة، لكنها تأهلت لكأس العالم 4 مرات وقدمت أداءً محترماً.
**لماذا تحدث هذه المفارقة؟**
– **البطولات القارية** غالباً ما تُقام بنظام يُفضّل الاستقرار والخبرة بالمنافسات الإقليمية، وأحياناً تلعب عوامل التحكيم والضغوط المحلية أدواراً.
– **كأس العالم** تتطلب مستوى مختلفاً: مواجهة أقوى منتخبات كل القارات، ضغط نفسي أكبر، وحاجة لعمق كبير في الصفوف.
– بعض المنتخبات تكون **”لاعب بطولات كبيرة”** (Big game players) حيث تُظهر أفضل ما لديها في المحافل العالمية، بينما تتراجع في البطولات القارية
خلاصة القول:
خسارة بطولة قارية ليست نهاية العالم. التاريخ يخبرنا أن المنتخبات التي تركز على بناء مشروع طويل الأمد، وتطوير لاعبيها في دوريات قوية، غالباً ما تُفاجئ العالم حتى لو لم تهيمن قارياً.
المغرب اليوم يملك جيلاً ذهبياً يلعب في أفضل أندية العالم، وهذا ما جعله يصل لنصف نهائي المونديال. الكأس الأفريقية مهمة، لكنها ليست المقياس الوحيد للنجاح. المستقبل واعد، والإنجازات الكبرى تحتاج للصبر والاستمرارية، لا للانكسار بعد خسارة واحدة.
الفخر الحقيقي يكمن في الرحلة، في الجهد، في اللعب النظيف، في الكرامة التي يُظهرها الفريق والجمهور. المغرب قدم بطولة رائعة، ومنتخبه كان على مستوى عالٍ. الخسارة اليوم لا تمحو الإنجاز، والمستقبل يحمل فرصاً أخرى.





