الرؤية/الهاشم أيوب
بقلم الاستاذ المحفوظ بوسلام
1. سياق الحرب الإعلامية وأهدافها
واجه المغرب، خلال استضافته لكأس إفريقيا 2025، حملة تضليل رقمية منظمة استهدفت تشويه صورة البطولة والطعن في التنظيم والنزاهة. لم تكن هذه الحملة عفوية أو ناتجة عن تفاعل جماهيري طبيعي، بل اعتمدت على إعلام موجه وشبكات رقمية منسقة. خطورتها لا تكمن فقط في محتواها، بل في كونها تستفيد من التفاعل غير الواعي للمستهدفين، ما يضاعف أثرها.
2. المبدأ الناظم للتصدي
القاعدة الأساسية في مواجهة التضليل هي عدم مجاراته عاطفيًا أو الرد عليه بأساليب مشابهة. التضليل لا يُهزم بالصراخ ولا بالكذب المضاد، بل بالتحقق، والدقة، والاحتراف. كل تفاعل غير محسوب يخدم الحملة بدل إضعافها.
3. دور الفرد: من مستهلك إلى فاعل واعٍ
يشكل المستخدم الفرد الحلقة الأولى في سلسلة الانتشار. مسؤوليته تبدأ بالتحقق من الأخبار قبل مشاركتها، عبر فحص المصدر، والتأكد من تاريخ الصور والفيديوهات، والبحث عن التأكيد في وسائل إعلام دولية موثوقة. الأخبار التي تعتمد عناوين مثيرة أو مصادر مجهولة غالبًا ما تكون مضللة. الرد، عند الضرورة، يجب أن يكون هادئًا، مبنيًا على الوقائع، وموجّهًا لفضح الكذبة لا لمهاجمة الشعوب أو الانخراط في سجال عقيم.
4. الإبلاغ بدل المجادلة
الحسابات المضللة والآلية لا تهدف إلى النقاش، بل إلى الاستفزاز ورفع الانتشار. التعامل الأكثر فاعلية معها هو الإبلاغ المنهجي عنها عبر أدوات المنصات الرقمية. كثافة البلاغات المتزامنة تُضعف هذه الحسابات وتحد من وصولها، وهو إجراء أكثر نجاعة من الردود الفردية.
5. العمل الجماعي: من رد الفعل إلى التنظيم
الجهد الفردي يبقى محدود الأثر دون تنظيم. إنشاء فرق متخصصة في التحقق من الأخبار يسمح برصد الأكاذيب بسرعة، وتفنيدها بشكل مهني، ونشر التصحيح في صيغ واضحة وسهلة التداول. بالتوازي، يُعد إنتاج محتوى إيجابي موثق—صور، فيديوهات، شهادات—وسيلة استباقية فعالة، تنقل النقاش من الدفاع إلى تثبيت السردية الحقيقية
6. إدارة المعركة رقمياً عبر الحملات المنسقة
الحملات الرقمية المنظمة، خصوصًا عبر الوسوم، تُمكّن من توجيه النقاش العام وإبراز الرواية الصحيحة. نجاحها مشروط بالتنسيق الزمني، ووحدة الرسالة، والتركيز على المعلومة بدل الشعارات، حتى لا تتحول إلى ضجيج رقمي بلا أثر
7. المسؤولية المؤسساتية
لا يمكن ترك مواجهة التضليل للمجتمع الرقمي وحده. يتطلب الأمر حضورًا مؤسساتيًا عبر خلايا رصد واستجابة سريعة، وتواصل رسمي منتظم وشفاف، وتعاون مع منصات تحقق دولية. المصداقية هنا تُبنى بالاستباق لا بالتبرير المتأخر.
8. البعد القانوني كأداة ردع
التضليل الممنهج، حين يُوثق، يمكن أن ينتقل من المجال الأخلاقي إلى المجال القانوني. أرشفة الأكاذيب، والتراكم المنهجي للأدلة، والتواصل مع المنصات الرقمية أو الهيئات المختصة، يشكل ضغطًا فعليًا على الجهات المروّجة للمعلومات الكاذبة.
9. دروس مقارنة من التجارب الدولية
تُظهر تجارب دولية أن مقاومة التضليل تنجح عندما تجمع بين الوعي المجتمعي، والرد السريع، وأحيانًا التشريعات الصارمة. المشترك بينها هو الاستثمار في العقل النقدي للمواطن، لا الاكتفاء بردود ظرفية.
10. الخلاصة
الحرب الإعلامية الإلكترونية ليست حدثًا عابرًا مرتبطًا ببطولة رياضية، بل نمط مستمر سيواكب أي إنجاز مستقبلي. مواجهتها تتطلب استراتيجية طويلة النفس، قوامها الوعي الفردي، والتنظيم الجماعي، والحضور المؤسساتي، والالتزام بالحقيقة. في هذا النوع من الصراعات، لا ينتصر الأكثر ضجيجًا، بل الأكثر دقة وانضباطًا.





