يوميات مغربي في مملكة تايلاند…

الحلقة 3:متعة التنقل وطقوس السفر في أحضان آسيا

هيئة التحرير11 يونيو 2025Last Update :
يوميات مغربي في مملكة تايلاند…

الرؤية/ الهاشم  أيوب

بقلم الدكتور يوسف بناصر

(..) بعد الحديث عن بعض تحديات الأكل لابد أن تكون لنا وقفة تأمل فيما يمكن أن يستفيده المسافر المجرب ويلزم بتكرار درس من دروس السفر لبلد لا تفهم لغته، ففي تايلاند أنت ملزم بأن تفهم لغة الإشارات الضوئية وملزم بالإنتباه لحركة جولان السير الذي يشبه المملكة المتحدة وبعض البلدان الإسكندنافية ، وكثيرا ما يقع لنا الإرتباك عندما ننزل في اتجاه معاكس لسير السيارات أو نتسرع في المرور للجهة المقابلة ،وكل ظننا أننا في ما نألف من حركة السير في بلداننا العربية.

وأنت في تايلاند ،الناس لا يتحدثون لغتك ولا لغة مستعمرك الفرنسي أو الإنجليزي ،إنهم بنغاليون وصينيون وهنود وملاويون والأساس أنهم من تايلاند ولابد أن تفهمإشاراتهم بدل التسرع بالنطق بلغة لا يفهمونها ولو كانت عالمية ، ومن الطريف أني وزميل عراقي ومصري ركبنا سيارةأجرة وغالب الظن أن البلد سياحي سيفهم مطلبنا بالتنقل لمكان معروف في المدينة..، وعندما جلسنا ونحن نحاول ان نفهمه مطلبنا لم يفهم ولو كلمة منا بالإنجليزي ولا بالعربي 🙂 فكثرت السخرية بيننا والسائق يتجول في بانكوك ويحاول أن يفهم ما نقول عن طريق استعمال هاتفه ليترجم له كلمتنا بالانجليزي الى التايلاندي، ولما استحال التوصل للمكان المقصود طلب منا النزول في وسط العاصمة ودون أن يأخذ أجرته ويعتذر لنا بشكل متكرر، وطلب منا أن نستقل سيارة أجرة أخرى قد يفهم سائقها مقصودنا، وكم ضحكنا على موقفنا المربك، وتوجه كل واحد منا لقارعة الطريق نطلب تحديد الوجهة من الشبان والشابات بدل الشيوخ التايلانديين ،وكلما اقتربت أسأل أحدهم :?do you speak english, يسرع بالإبتسامة ويقول باللغة التايلاندية ما يفيد أنه لا يتحدثها أو ينطق فقط كلمة نو ، ولحسن حظنا وجدنا شابا تايلانديا يركب توك توك وفهم منا الوجهة واستعمل هاتفه وأبدى رغبته في نقلنا الى الوجهة ولكنه أظهر شجعا بطلبه مبلغا خياليا لينقلنا معه ،مبينا بالإشارةأن المسافة بعيدة ..، ولكن نسي هذا الأخير أننا اطلعنا على هاتفه على المسافة والدقائق المتبقية للمكان فلما واجهناه بالمسافة ارتضى ثلث المبلغ الاول ،وأوصلنا بعد ان ضيعنا ساعة ونصف في الدوران في مكاننا . وارتباطا بالقصة السابقة كنت ذات مساء متجولا مع بعض الأصدقاء المصريين فتوزعنا في السوق الكبير الأسبوعي المشهور ببانكوك ،بعدأن تواعدنا على أن نلتقي بعد ساعين عند باب السوق لكي نعود للفندق والمسافة بعيدة جدا، تتطلب ساعة بالتنقل عبر الحافلة او الترام، فلما انتهت المدة رجعت للباب في الوقت المحدد وكان الليل قد أسدل أطرافه فلم أجد أحدا، فانتظرت لنصف ساعة زيادة عن الموعد فلما لم أجد متفقدا للمكان اخترت التنقل لوحدي بين المحلات التجارية ،على اساس أني أعرف الوجهة.

فانخرطت في أجواء الليل التايلاندي حتى حلت الساعة 11 ليلا ،ولا شيء أعرفه عن العودة غير اسم الفندق وأرقام الحافلتين اللتين علي التزام مسارهما، وللأسف انتظرت الحافلة الأولى التي تأخرت، فخفت أن أبقى فلاأجد سيارة أجرة تقلني للوجهة أو يتم استغلال حاجتي فبدأت أسأل ثلة من الشبان الذين يقفون بالمكان ويبدو على أغلبهم أنهم طلبة من جامعة قريبة ،فلم أجد متقنا للإنجليزية غير شابة وشاب ،يعرفان بعض الكلمات فأشارا علي بالتنقل إلى الترام بعد تفقد هاتفهما ،وأن ذلك سيكون أفضل من انتظار الحافلة وأن ذلك سيكلفني تقريبا 12 درهما مغربيا، اي تقريبا دولارا أمريكيا الىأقرب محطة من الفندق، وفعلا تنقلت للترام وكنت شديد الإنتباه للمحطات لأني صرفت ما لدي من مال في بعض المشتريات وخفت ان أضيع المحطة فأكون في ورطة ليلا دون هاتف وبمال قليل وبلا وجهة 🙂 فنزلت بالمحطة المقصودة وبدل الخروج من ممر يؤدي للشارع المفتوح على مسافة قريبة من الفندق.

اخترت بشيء من الحمق الخروج من باب مقابل له، وبمجرد الخروج والسير فقدت الوجهة للفندق ، اللهم ظهور قبة الفندق في السماء المتلألئ بالأضواء من بعيد، فكانت عيناي عليه وأنا أتنقل بين الاحياء الشعبية على ضفاف نهر بانكوك والمتشردين يملؤون المكان ويدخنون الحشيشة التي بالمناسبة هي شرعية عندهم ، فأخرج من شارع إلى زقاق إلى شارع وعيني مثبتة على قمة الفندق من البعيد كأني أبحث عن هلال شهر شوال 🙂 وقد ولجت زقاقا لحي شعبي انتهيت إلى آخره لأكتشف أنه مغلق ، فقفلت راجعا وأنا أحمل أكياسا مما اشتريته ،وكلي هواجس أن أحدا ما سيقف في أي لحظة ليأخذ كل شيء ويتركني دون أي شيء 🙂 وأنا في ترددي ذاك وفي هواجسي إذ دلفت لشارع ينتهي بسلسلة فنادق يوجد به فندق إقامتي، فكانت الدماء الباردة أخيرا تجري في عروقي وأخيرا لقد وصلت بعد تيه مشهود ههه ، وهذه شهادة إيجابية أولا ان الليل التايلاندي وخصوصا في بانكوك يمكن أن يكون سالما وأن لاأحد سينظر في عينيك ولا أحد يتعرض لك، ولا أعرف حقيقة معدل الجريمة بها، ولكن شهادة للتاريخ أن الأمان تام مدة تنقلي بين أحياء العاصمة.

ولأنك في تايلاند أو غيرها بمجرد أن تنزل بالمطار او السوق لابد أن تقتني لك رقما تايلانديا على الأقل لتحديد الأمكنة بخريطة غوغل مااب او عن طريق تطبيقات أخرى دولية ، كما أنه يسمح لك التطبيق الفوري المرتبط بالشبكة بترجمة فورية للغتك الأصلية الى لغة هؤلاء القوم وتجاوز إشكالات التواصل.

ولأنك في تايلاندإذا كنت ستسأل عن الطريق فلابد أن تتحدث بصوت خافت وتحيي عن بعد ولا تقترب من المتحدث مسافة كبيرة لأنه سيحرجك في بعض الأحيان بأن يضع قناع تنفس كأنك جئت تهدده بتنفسك وتحمل إليه كورونا ، كما أنه يلزمك أن تنزل رأسك بالتحية مرارا وتكرارا..، ولابد أن تظهر في ملاحمك الإبتسامة المستمرة والنظر المباشر إلى عينه كأنك ممتن، ولا تنسى أن تكون قدأخذت جرعة زائدة من صبر أيوب عليه السلام لتتحمل انطلاق الزملاء التايلانديين ليبدأ رحلة بحث مع أصدقائه عن الألفاظ المناسبة والحركات التي ستعينك على الوجهة ،أو بعض الأحيان يذهب من تسأله ليسأل أصدقاءه البعيدين وفي حركة بطئية، وقد يبقى يتبادل معهم أحاديثا ربما عن كأس العالم للسنوات الماضية وعن قتلى الحرب العالمية الثانية… ههههه، قبل أن يأتيإليك ويعتذر عن عدم التوصل للجواب الصحيح.

ومن الأخير لا تسأل أحدا عن طريقك للفندق أو لأي مكانإلا الغرباء من ذوي البشرة البيضاء من السياح أو ضع لك شريحة تايلاندية واسأل غوغل تصل قبل أن يجيبك من تصادفه من الأصدقاء التايلانديين.

الأصدقاء التايلانديون لا يكثرون من الصراخ ولا تكاد تسمع أصواتهم وأن تمر بأزقتهم الشعبيةأو أسواقهم وحتى عندما تمر بأزقة بها منازلهم ،فبالكاد تسمع صوت طفل أو أم أوأب ..وربما هذا من تأثير الطبيعة عليهم وعلى أمزجتهم، ومن تمذهبهم بمذاهب الحكمة المتشبعة بالقيم البوذية والسيخية والطاوية والتاميلة عموما، فإن كان الصديق التايلاندي سينادي على صديق له ،ولو على الجهة الاخرى من الشارع ،فإنه يشير إليه بيده أو يتحمل المسافة ويقطع الطريق إليه لكي يتحدث إليه ولو كان حديثا قصيرا ، عكس ما نفعله نحن إذ يمكن أن تسمع المدينة كلها أسرارك وأحاديثك وحاجاتك بالمناداة ورفع الصوت والصراخ ، ومن الغريب أن لا أصادف أي معركة أو خصومة في شوراعهم رغمأني مررت بالأسواق والأحياء الشعبية صباحا وليلا وكنت أتحسس وأتلصص وأنتبه لعاداتهم لكي أفهم بعض ما يتميز به مجتمعهم.

يتبع…..

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.