الرؤية من العيون – آسية أباحازم
بعد إسدال الستار على فعاليات المعرض الجهوي للكتاب بطانطان مساء أمس، احتفالا بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء ، اتضح جليًا أن المدينة عاشت خلال الأيام الماضية حراكًا ثقافيًا مميزًا أضفى على الفضاء المحلي روحًا جديدة، وأظهر بوضوح تعطش الشباب والمجتمع لكل مبادرة تُنعش الحوار وتفتح أبواب المعرفة. وفي قلب هذه الحيوية الثقافية برز سباق “ديباتون الشباب الأول”، الذي نظمته دار السلام بشراكة مع المديرية الجهوية للثقافة، كأحد أبرز المشاهد التي طبعت هذه الدورة، لما حمله من قيمة فكرية أعادت الاعتبار للنقاش العمومي داخل الوسط التلاميذي.

وقد تنافس خلال هذه التجربة مجموعة من تلميذات وتلاميذ دار السلام في مناظرات حملت موضوعًا عميقًا وراهنًا: “القراءة والتعليم في ظل الذكاء الاصطناعي”. فأبان المشاركون عن قدرة لافتة على التحليل، وسلاسة في العرض، وروح تنافسية رفيعة جعلت المتابعين يقفون على مستوى خطاب شبابي يُبشّر بكفاءات واعدة. كما أن الحضور النوعي للأطر التربوية ومدير ثانوية مولاي رشيد والتلاميذ الداعمين أضفى على اللحظة قيمة إضافية، إذ بدا واضحًا أن الجميع يقدّر أهمية مثل هذه المبادرات في تنشيط الحياة المدرسية وتنمية ملكات التعبير والحوار.
ولم يقتصر أثر دار السلام في المعرض على فئة الشباب فقط، بل امتد ليحتضن فئة الطفولة من خلال نشاط تربوي مخصص لها يوم الأحد 16 نونبر، حمل عنوان “القراءة مفتاح للعقول”. وقد أشرفت على تأطيره الأستاذة فدوى النعيمي في ورشة تفاعلية اعتمدت بيداغوجية اللعب، ما جعل الأطفال يعيشون لحظات من الاكتشاف والمتعة الهادفة، ويتفاعلون مع الكتاب بطريقة تعزز علاقتهم بالقراءة منذ الصغر. وكانت هذه المحطة دليلاً إضافيًا على أن الفعل الثقافي، حين يُصاغ بمحبة وإتقان، يستطيع أن يلامس مختلف الفئات العمرية ويغرس فيهم شغف المعرفة.

وبرهنت طانطان — رغم بساطتها وبعدها الجغرافي — أنها تحتضن طاقات شبابية قوية في مهارات الخطابة والحجاج، وتقترب بثقة من مجالات النقاش والمناظرة التي طالما افتقدتها المدينة. ورغم أن سباق المناظرة لم يدم إلا ساعات معدودة، فقد كشف عن طاقات تستحق التشجيع والرعاية، ويفتح الباب نحو التفكير في توسيع هذه التجربة مستقبلًا لتأخذ بُعدًا إقليميًا وجهويًا أشمل.
وفي ختام هذا الحدث، جرى تتويج جميع المشاركين والفائزين بشهادات وجوائز تقديرية، كما تم تكريم لجنة التحكيم والتنويه بجهود الأستاذ إبراهيم الشاوي الذي قدم نموذجًا ملهِمًا في التفاني والتنظيم. و يعزى ايضا هذا للدعم الكبير للمديرية الجهوية للثقافة وطاقم دار السلام ودار الشباب، لإعدادها للظروف المثلى لإنجاح هذه التظاهرة بكل تفاصيلها.
ومع نهاية هذه النسخة الناجحة، يترقّب المتابعون تنظيم نسخ قادمة من المعرض بمدينة طانطان على نطاق جهوي أوسع، بما يفتح آفاقًا جديدة لترسيخ تقاليد ثقافية راسخة وإعطاء مساحة أكبر للمبادرات الشبابية والطفولية على حد سواء. وما حدث خلال هذا الأسبوع الثقافي المُلهم لم يكن مجرد محطة عابرة، بل كان برهانًا على أن شباب طانطان قادرون — كلما أُتيحت لهم الفرصة — على صناعة مشهد ثقافي حيّ يعيد للقراءة بريقها وللحوار مكانته.





