“حب في الداخلة”: تجربة سينمائية تغوص في أعماق الذات وتنتصر للهوية الصحراوية

هيئة التحريرساعة واحدة agoLast Update :
“حب في الداخلة”: تجربة سينمائية تغوص في أعماق الذات وتنتصر للهوية الصحراوية

الرؤية-الهدية رافع

 

 

 

ضمن فعاليات المهرجان الدولي للفيلم بالداخلة، برز فيلم “حب في الداخلة” كواحد من الأعمال التي حاولت أن تقترب من الإنسان أكثر من الصورة، ومن الذاكرة أكثر من الحدث، مقدّما حكاية تتقاطع فيها العاطفة بالألم، والروح بالجسد، والتقاليد بالتحولات الاجتماعية.

 

الفيلم، من إنتاج زين العابدين شرف الدين وإخراج خالد الإبراهيمي، يشتغل على قصة امرأة خاضت تجربة قاسية مع مرض السرطان، وتمكنت من تجاوزه جسديا، لكنها بقيت عالقة في منطقة أخرى أكثر تعقيدا: الخوف من عودة المرض. ذلك الخوف الذي لا يظهر في التحاليل الطبية، لكنه يسكن تفاصيل الحياة اليومية، ويحول الشفاء إلى حالة مؤقتة في ذهن صاحبه.

 

في مسار غير متوقع، تقودها الأحداث نحو فضاء مختلف تماما عن المدينة وضجيجها، حيث الصحراء بامتدادها الهادئ، والبوادي بما تحمله من بساطة وعمق، وزاوية دينية يصبح فيها الكلام علاجا من نوع آخر. هناك تلتقي شيخ الزاوية الذي لا يقدم خطابا وعظيا مباشرا بقدر ما يفتح باب التأمل، ويعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وخوفه، بين الألم ومعناه، بين الجسد وما وراءه. ومع هذا التحول الداخلي، تبدأ البطلة رحلة تصالح تدريجية مع ذاتها، تنتهي بشعور أقرب إلى الشفاء الروحي منه إلى مجرد التعافي الجسدي.

 

في خط مواز، يقدم الفيلم حكاية صديقة مطلقة تجد نفسها من جديد أمام فرصة للحب في مدينة الداخلة، في معالجة بعيدة عن الصور النمطية التي غالبا ما تُلصق بالمرأة المطلقة. هنا تظهر المرأة الصحراوية كعنصر فاعل داخل المجتمع، لها حضورها واعتبارها، بل إن الفيلم يلمّح إلى القيمة الاجتماعية العالية التي تحظى بها، حيث يتحول الزواج منها إلى رغبة تنافسية، تعكس مكانتها لا تقلل منها.

 

كما ينجح العمل في تقديم لمحات من الثقافة الحسانية والهوية الصحراوية، من خلال تفاصيل الحياة اليومية، ونمط العيش، والرموز الاجتماعية التي تشكل جزءا من الذاكرة الجماعية للمنطقة، دون الوقوع في التزيين الفولكلوري أو التقديم السياحي السطحي.

 

على المستوى التمثيلي، يبرز الأداء الهادئ للممثل الصحراوي “محمد بوالشايت”، الذي قدّم حضوره في العمل بطريقة متزنة ومحترفة، بعيدة عن المبالغة، ما منح الشخصية التي يجسدها صدقية واضحة وانسجاما مع نبرة الفيلم العامة ، فالصحراء تحمل طاقات فنية شبابية عديدة وذات مواهب مُبهرة غير أن عدم تكافؤ الفرص وغياب الشفافية يجعلها تقف صامتة خلف الستار .

 

“حب في الداخلة” ليس مجرد قصة عن المرض والحب، بل محاولة لطرح سؤال أعمق حول معنى الشفاء نفسه: هل هو فقط استعادة الجسد لعافيته، أم أن الشفاء الحقيقي يبدأ حين يتصالح الإنسان مع خوفه، ومع ذاكرته، ومع الحياة كما هي، لا كما تتمنى أن تكون؟.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.