مستنقع مالي: مقتل كامارا وتمدد داعش يربكان حسابات باماكو بين التحالف مع الرباط والتوتر مع الجزائر ونواكشوط

هيئة التحريرساعتين agoLast Update :
مستنقع مالي: مقتل كامارا وتمدد داعش يربكان حسابات باماكو بين التحالف مع الرباط والتوتر مع الجزائر ونواكشوط

الرؤية/الهاشم ايوب

 

 

تشهد مالي تطورات أمنية وسياسية هي الأخطر منذ سنوات، حيث تعرضت البلاد لسلسلة من الهجمات المتزامنة والمنسقة التي استهدفت العاصمة باماكو ومدن الشمال والوسط في وقت واحد.

وقد أدت هذه الهجمات التي وقعت في 25 أبريل إلى مقتل العقيد ساديو كامارا، وزير الدفاع المالي وأحد أبرز أركان المجلس العسكري الحاكم، إثر هجوم انتحاري استهدف منزله في مدينة كاتي، مما شكل صدمة كبرى للنظام السياسي والعسكري.

وفي الشمال، أعلنت “جبهة تحرير أزواد” سيطرتها الكاملة على مدينة كيدال الاستراتيجية بعد انسحاب القوات الروسية وبقاء الجيش المالي بمفرده في مواجهة ضغوط عسكرية هائلة، مما أدى إلى فقدان السلطة المركزية لأهم معاقلها في الصحراء.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، جاءت هذه الانفجارات الأمنية عقب قرار تاريخي اتخذته باماكو في 10 أبريل 2026، تمثل في سحب اعتراف مالي بـ “الجمهورية الصحراوية” (جبهة البوليساريو) وإعلان دعمها الكامل لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. ويرى مراقبون أن هذا التحول الاستراتيجي نحو المغرب كان يهدف إلى تأمين تنسيق أمني أعمق، إلا أنه أدى في الوقت ذاته إلى قطيعة تامة مع النظام الجزائري، الذي اتهمته باماكو رسمياً بـ “التدخل في شؤونها الداخلية” و”إيواء عناصر قيادية من الحركات الانفصالية”.

وقد زاد دور النظام الجزائري من تعقيد المشهد، حيث تتهم السلطات المالية الجزائر باستخدام نفوذها في الشمال المالي للضغط على المجلس العسكري بعد تقاربه مع الرباط، وهو ما تجلى في انهيار “اتفاق الجزائر” بشكل نهائي وتصاعد حدة الاشتباكات بعد أسابيع قليلة من استقبال الجزائر لقيادات من “الإطار الاستراتيجي الدائم” المعارض لباماكو، مما جعل الحدود المالية الجزائرية بؤرة توتر جيوسياسي تغذي الصراع الميداني.

ويتزامن هذا مع توتر ميداني حاد على الحدود المالية الموريتانية، حيث سجلت الأسابيع الأخيرة حوادث توغل متكررة للجيش المالي وعناصر من قوات “فاغنر” داخل الأراضي الموريتانية، مما أثار غضب نواكشوط ودفعها لتحريك تعزيزات عسكرية ضخمة نحو الحدود، وهو ما زاد من الضغوط الإقليمية على باماكو التي باتت تواجه جبهات مشتعلة داخلياً وتوتراً متزايداً مع جيرانها.

وفي قلب هذا المشهد المتفجر، برز دور تنظيم “الدولة الإسلامية في الساحل” (داعش) الذي استغل انهيار المنظومة الأمنية في شمال مالي لشن عمليات دموية واسعة النطاق في مناطق “المثلث الحدودي”، مستغلاً حالة الفراغ التي خلفها انسحاب القوات الروسية وانشغال الجيش المالي بمعاركه مع الحركات الانفصالية في كيدال، ليفرض سيطرته على مناطق ريفية شاسعة.

وفي سياق متصل، لم تنفصل هذه الأزمات المحلية عن المستجدات الدولية المتفجرة، وعلى رأسها اندلاع “الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران” في مارس 2026، والتي رمت بظلالها الثقيلة على منطقة الساحل. فقد أدى نشوب الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع جنوني في أسعار الوقود عالمياً بنسب تراوحت بين 15% و40%، مما خنق الاقتصاد المالي وفاقم من حدة الحصار الذي تفرضه الجماعات المسلحة على باماكو.

كما يرى خبراء أن انشغال القوى الكبرى وتأثيرات الصراع الإيراني على خطوط الإمداد العالمية، قد أضعف الدعم اللوجستي المقدم للجيش المالي، ومنح الجماعات المسلحة فرصة ذهبية لشن هجماتها المنسقة، مستغلة حالة الإرباك الدولي والارتباك في مراكز القرار المرتبطة بطهران وموسكو.

أما في العاصمة باماكو، فقد فرضت السلطات حظر تجول ليلياً شاملاً بعد وصول الاشتباكات إلى تخوم المطار والقواعد العسكرية، بالتزامن مع شلل شبه تام للمؤسسات وارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع.

وعلى الصعيد الدولي، وصف الأمين العام للأمم المتحدة الوضع بأنه “أزمة غير مسبوقة” تهدد بانهيار الدولة المالية بالكامل، محذراً من تحول مالي إلى بؤرة لتصدير الفوضى إلى دول الجوار، في ظل تحالف ميداني جديد يجمع بين الحركات الانفصالية في الشمال والجماعات الجهادية في الوسط.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.