إفران الأطلس الصغير بين “ذهب” الشركات وعطش السكان: قراءة في أرقام الاستغلال وخسائر البقاء

هيئة التحرير26 مارس 2026Last Update :
إفران الأطلس الصغير بين “ذهب” الشركات وعطش السكان: قراءة في أرقام الاستغلال وخسائر البقاء

الرؤية/الهاشم أيوب

 

 

 

تقف منطقة إفران الأطلس الصغير (إقليم كلميم) اليوم أمام مفارقة تنموية صارخة؛ فبينما يضخ باطن أرضها أطناناً من المعادن النفيسة، يواجه سكانها شبح العطش والاندثار البيئي. يتركز النشاط المنجمي تاريخياً في منجم “وانسيمي” ومنطقة “تفرخست”، حيث تشير التقارير السنوية لمجموعة “مناجم” (التقرير المالي 2023) إلى أن فرعها “أكدال” يساهم بحصة استراتيجية في إنتاج النحاس والفضة، حيث تهدف الاستثمارات الميدانية إلى الحفاظ على وتيرة إنتاج وطنية تتراوح بين 30.000 و40.000 طن من مركزات النحاس سنوياً.

غير أن هذا العائد الاقتصادي يقابله، وفقاً لبيانات “المخطط التوجيهي للتهيئة المندمجة للموارد المائية” (PDAIRE) الصادر عن وكالة حوض درعة واد نون، استهلاك مفرط للمياه الجوفية الموجهة لعمليات “التعويم” المعدني، مما تسبب في انخفاض حاد في مستوى الفرشة المائية ونضوب أكثر من 12 منبعاً مائياً سطحياً (عيون وآبار) كانت تشكل العصب الحيوي لزراعة الواحة.

وعلى الصعيد البيئي، توثق دراسات الأثر البيئي المرتبطة بالمشاريع الاستخراجية بالمنطقة تراكم كميات ضخمة من النفايات المعدنية ، التي تحتوي على بقايا مواد كيميائية ومعادن ثقيلة. وبحسب تقارير ميدانية لجمعيات بيئية محلية مدعومة بملاحظات تقنية، فإن الغبار المنجمي المتطاير أدى إلى تراجع إنتاج شجر الأركان واللوز بنسبة تتجاوز 40% في المناطق المتاخمة للمواقع المنجمية، مما ضرب في العمق اقتصاد الأسرة الواحي.

وفي المقابل، لا تعكس الأرقام الاجتماعية أي تحسن ملموس؛ فوفقاً لـ “خارطة الفقر متعدد الأبعاد” الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط (HCP)، لا تزال جماعة إفران الأطلس الصغير تسجل معدلات هشاشة تتجاوز المعدل الوطني، مما يثبت أن “الأتاوة المنجمية” المقدرة بمليارات السنتيمات لم تنجح في خلق بدائل تنموية مستدامة تعوض الساكنة عن فقدان مواردها الطبيعية السيادية.

إن هذا التراكم من الخسائر الموثقة هو ما يغذي اليوم موجة الرفض الشعبي القاطع لمشاريع المناجم والمقالع الجديدة المطروحة للبحث العمومي، حيث تستند الساكنة في تعرضاتها إلى الفصل 31 من الدستور المغربي الذي يربط التنمية بالحق في الماء والبيئة السليمة، معتبرة أن أي ترخيص جديد في ظل غياب “مخطط مائي استباقي” هو حكم بالإعدام على هوية المنطقة.

يشار إلى أن المعطيات الواردة في التقارير الرسمية تؤكد أن تكلفة استخراج طن واحد من المعدن باتت تعادل خسارة مستقبل أجيال من سكان الواحة، وهو ما يجعل الرفض الحالي صرخة وجودية تتجاوز المطالب الاجتماعية المحدودة إلى المطالبة بالحق في البقاء.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.