الرؤية/هيئة التحرير
بقلم :عز الدين رافع
إن النظرة المتفحصة لواقع العرب في زمن الجاهلية تكشف عن منظومة عاتية من العادات والتقاليد الجزافية التي بلغت حد الإسراف المذموم، وتثقل كاهل المجتمع بأعباء القهر والتخلف، كالعصبية القبلية العمياء، والثأر المشتعل، وعبادة الأصنام الصماء، والتفاخر المقيت بالانساب، والتمييز الظالم بين البشر.
وحين أشرق نور الإسلام، لم يأتِ ليداري هذا الفساد أو يساومه، بل جاء ليقتلع جذور الانحراف ويطهر الأرض من رجسها، مبيدا تلك التقاليد الباطلة بالكلية لكونها مناقضة للفطرة ومصادمة للتوحيد الخالص.
ففي طغيان العصبية القبلية، كان العربي يمضي في نصرة عشيرته ظالمة أو مظلومة بلا وازع من حق، متسببا في حروب مهلكة تأكل الأخضر واليابس. وهنا جاء الإسلام بحزم قاطع ليقمع هذا العنف البدائي، مفروضا سلطان العدل المطلق بقوله تعالى: ^ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى.^ وحين استفسر الصحابة عن كيفية نصرة الأخ ظالما كما ورد في هدي النبوة، جاء الجرف القاطع: بأن تأخذ على يديه وتكفه عن ظلمه، لتتحول النصرة من عصبية جاهلية غاشمة إلى أداة صارمة لإقامة العدل ولو على رقاب الأقربين.
وعلى منوال الجبروت ذاته، تعامل الإسلام مع شريعة الثأر العبثية، فما ترك الحبل على الغارب، بل أطرها بحدود القصاص العادل ^ العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص ^ ليقطع دابر الانتقام العشوائي.
أما في أصل العقيدة، فقد حارب الإسلام عبادة الأصنام حربا لا هوادة فيها، مفندا بطلانها المطلق ومبينا سفه اتخاذ حجارة لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا أربابا من دون الله.
وفي المقابل، أقر ما وافق الفطرة السليمة من تشريعات الأسرة كالزواج الشرعي، حاسما الباب أمام رهبانية مبتدعة تحرم طيبات الله، بقول النبي صلى الله عليه وسلم الحاسم: “لا رهبانية في الإسلام”.
إن الإسلام الحنيف لم يقبل لأنصاف الحلول موضعا، فكل عادة جاهلية هددت أمن المجتمع الإنساني وأرواحه وكرامته قمعت بلا هوادة، كشرب الخمر و وأد البنات اللذين حُرما تحريما قاطعا لا تراجع فيه.
ومن رحم هذا التهذيب الصارم والرفض القاطع لكل مظلومية جاهلية، نشأت قيم أصيلة تجلت بوضوح في المجتمع الصحراوي، ألا وهي الرجوع الصارم إلى حكم الإسلام وشريعته عند النزاع، نابذين عصبيات شيوخ القبائل وأحكامهم الجزافية التي طالما أزهقت الأرواح وضيعت الحقوق باسم العرف الباطل.





