الرؤية/هيئة التحرير
بقلم: محمود بن ثابت
دكتور في علم الاجتماع
في مجتمعات كثيرة، لا يحتاج الإنسان إلى شرطي يقف أمامه ليخبره بما يجب أن يفعل. يكفي أن يسمع جملة واحدة: «ماذا سيقول الناس؟»
هذه الجملة البسيطة تختصر، في حقيقتها، واحدة من أكثر أدوات الضبط الاجتماعي قوة وفاعلية. فهي لا تفرض عقوبة قانونية، ولا تحتاج إلى سلطة رسمية، لكنها قادرة على جعل الفرد يتراجع عن قرار يريده، ويستمر في علاقة تؤذيه، ويصمت أمام الظلم، بل وأحيانا يعيش حياة كاملة لا تشبهه، فقط لأن عيون الآخرين أصبحت حاضرة في رأسه أكثر من صوته الداخلي.
وهنا يبدأ السؤال الذي لا نحب أن نطرحه:
هل نحن مجتمع يحمي أفراده… أم يحمي صورته أمام الآخرين؟
السمعة ليست شيئا هامشيا في البناء الاجتماعي. إنها نوع من رأس المال الرمزي الذي تحرص الأسر والجماعات على الحفاظ عليه، لأنها ترى فيه مصدرا للمكانة والاحترام والقبول. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول السمعة من قيمة اجتماعية إلى سلطة تتقدم على الإنسان نفسه.
قد تُجبر فتاة على الاستمرار في زواج مؤلم لأن الطلاق «سيجلب الكلام».
وقد يُطلب من شاب أن يتخلى عن علاقة أو اختيار شخصي لأن عائلته «لن تقبل أن يقال عنها كذا».
وقد تصمت امرأة عن تعرضها للعنف حتى لا تصبح قصتها حديث المجالس.
وقد يُدفن خلاف عائلي كامل تحت طبقات من الصمت، ليس لأن المشكلة انتهت، بل لأن الاعتراف بها سيجعل الأسرة تبدو أمام الآخرين أقل مثالية.
في كل هذه الحالات، لا يعود السؤال: كيف نحمي الإنسان؟
بل يصبح: كيف نخفي المشكلة؟
وهنا تكمن المفارقة، نحن نعيش في مجتمعات تتحدث كثيرا عن القيم، لكنها أحيانا تخلط بين حماية القيم وحماية الصورة الاجتماعية للقيم. فليس المهم دائمًا أن يكون الإنسان بخير، بقدر ما يهم أن يبدو بخير.
أن يبدو الزواج ناجحا، حتى لو كان الطرفان يعيشان حربا يومية.
أن تبدو الأسرة متماسكة، حتى لو كان أفرادها غرباء عن بعضهم.
أن تبدو الفتاة «محترمة» وفق تعريف الجماعة، حتى لو كان ذلك التعريف يسلبها حقها في الاختيار.
وأن يبدو الرجل «قويا»، حتى لو كان عاجزا عن الاعتراف بألمه.
هذه ليست مجرد تناقضات فردية. إنها، من منظور علم الاجتماع، نتيجة لنظام من الضبط الاجتماعي غير الرسمي، حيث لا يحتاج المجتمع إلى قوانين مكتوبة لكي يعاقب من يخرج عن المألوف. يكفي أن يمنحه وصمة، أو يسحب منه الاعتراف، أو يجعله موضوعا للهمس والحديث.
والإنسان، بطبيعته الاجتماعية، يخشى النبذ. لذلك قد لا يفعل ما يؤمن به، بل ما يضمن له البقاء مقبولًا في جماعته.
وهنا تظهر قوة عبارة «العيب».
فالعيب ليس دائما مجرد معيار أخلاقي. أحيانا يصبح وسيلة لتحديد الحدود التي لا ينبغي للفرد تجاوزها. والمشكلة ليست في وجود معايير اجتماعية؛ فكل مجتمع يحتاج إلى قواعد تنظّم العلاقات بين أفراده. المشكلة حين تصبح هذه القواعد غير قابلة للنقاش، وحين يُعامل من يسأل عنها باعتباره متمردا أو فاقدا للأخلاق.
لكن من يحدد أصلا ما هو عيب؟
ومن قرر أن اختيارا معينا يسيء إلى الأسرة، بينما قرارا آخر لا يسيء إليها؟
ولماذا يُسمح للمجتمع بإعادة تعريف بعض القواعد مع مرور الزمن، بينما تُعامل قواعد أخرى وكأنها نزلت من السماء؟
الأخطر أن الخوف من كلام الناس قد يتحول إلى رقابة داخلية.
في البداية، يراقب المجتمع الفرد.
ثم يتعلم الفرد مراقبة نفسه.
وبعد فترة، لا يعود بحاجة إلى أحد ليمنعه؛ لأنه أصبح يحمل صوت الجماعة داخل رأسه.
وهنا تصبح السلطة أكثر تعقيدا:
لا أحد يجبرك، لكنك لا تشعر أنك حر.
تريد الطلاق، فتتذكر العائلة.
تريد تغيير عملك، فتتذكر كلام الناس.
تريد الزواج ممن تختار، فتتذكر «ماذا سيقال».
تريد أن تبدأ حياة جديدة، فتتساءل قبل أن تسأل نفسك: كيف سيبدو ذلك أمام الآخرين؟
وهكذا يتحول الإنسان تدريجيا من صاحب قرار إلى حارس لصورة اجتماعية لم يخترها بنفسه.لكن هل يعني هذا أن نتجاهل المجتمع ونعيش بلا مسؤولية تجاه الآخرين؟
بالطبع لا.
فالحرية الفردية لا تعني الفوضى، كما أن احترام الجماعة لا يعني إلغاء الفرد.المطلوب هو الوصول إلى منطقة أكثر نضجا: مجتمع يستطيع أن يحافظ على قيمه دون أن يحولها إلى سجن، وأن يحترم الأسرة دون أن يجعلها وصيا دائما على حياة أفرادها، وأن يحمي السمعة دون أن يجعلها أغلى من كرامة الإنسان.
ربما آن الأوان لأن نعيد صياغة السؤال، بدل أن نسأل:
«ماذا سيقول الناس؟» علينا أحيانا أن نسأل:
«ماذا سيحدث لهذا الإنسان إذا استمر في العيش بهذه الطريقة فقط حتى لا يتحدث الناس؟»
فكلام الناس، في النهاية، عابر.
أما حياة الإنسان، فليست تجربة قابلة للإعادة.
وربما تكون أكثر المجتمعات نضجا ليست تلك التي لا يتحدث فيها الناس عن بعضها، بل تلك التي يستطيع أفرادها أن يختلفوا، ويخطئوا، ويختاروا، ويعيدوا بناء حياتهم، دون أن تتحول الجماعة إلى محكمة دائمة.
لأن السؤال الحقيقي الذي نخشى مواجهته ليس: ماذا سيقول الناس؟ بل:
متى أصبح رضا الناس عن حياتنا أهم من رضا الإنسان نفسه عن الحياة التي يعيشها؟ وهل نحمي فعلا سمعة المجتمع…
أم أننا، في بعض الأحيان، نحمي فقط حق المجتمع في أن يقرر كيف يجب أن يعيش أفراده؟





