الرؤية من العيون
تشهد الساحة الإعلامية المغربية هذه الأيام حالة غير مسبوقة من التوتر عقب انتشار تسريب صوتي منسوب إلى مداولات لجنة أخلاقيات المهنة. تسريب لم يكن مادةً عابرة للجدل، بل تحوّل إلى مرآة مكشوفة تعكس وضعًا مهنيًا مأزوماً يستدعي مراجعة صريحة ومسؤولة. لقد أعاد الحدث طرح أسئلة جوهرية حول بنية التنظيم الذاتي للقطاع، وحدود الشفافية داخله، ومدى قدرة مؤسساته على حماية استقلاليتها وترسيخ ثقة الصحافيين والرأي العام في آن واحد. فبعيدًا عن سجالات اللحظة وقراءات الاصطفاف، تبدو الأزمة أعمق من الأشخاص، وأبعد من سياقها الظاهر، إذ تلامس جوهر العلاقة بين الصحافة والمجتمع، وتكشف هشاشة الروابط التي يفترض أن تقوم عليها مهنة تقوم وظائفها على الصدقية والنزاهة.
لقد أظهر هذا المستجد حجم الانقسام داخل الجسم الصحفي، حيث انجرّ النقاش سريعًا إلى هوامش تُضعف العمق، بدل أن يذهب إلى أصل الداء. فالأزمة اليوم أزمة ثقة قبل كل شيء؛ ثقة تتراجع كلما افتقدت المهنة قنوات الحوار الداخلي وآليات التواصل المؤسسي الرصين. ومع غياب التوحيد في المعايير وتباين القراءات حول عمل اللجان التأديبية، بدا أن التنظيم الذاتي، الذي شُيّد لحماية شرف المهنة، يتحول إلى ساحة مضطربة تستقطب التأويلات المتناقضة بدل أن تنتج القرار الواضح والمستقل، الأمر الذي يجعل من إعادة هندسة أسس عمل تلك الهيئات ضرورةً مهنية ملحّة لحماية الإجراءات من الشبهات وضمان كرامة الأطراف على حد سواء.
إن الصحافة المغربية، في هذه اللحظة الدقيقة، لا تحتاج إلى ردود فعل انفعالية أو تراشق بالمواقف، بقدر ما تحتاج إلى جرأة تأسيسية تعترف بأن المهنة بلغت مفترقًا حاسمًا يستوجب إصلاحًا عميقًا ومسؤولًا. فحين يفقد المواطن ثقته في إعلامه، ينعكس ذلك على ثقته في المؤسسات بأسرها. وحين يتحول الخلاف المهني إلى خصام شخصي، تُختزل الصحافة في أسماء بدل أن تبقى مؤسسة قائمة على مبادئ ومواثيق وقيم. وهنا تبرز الحاجة إلى مراجعة دقيقة وشاملة لآليات التنظيم الذاتي، مراجعة تعيد توحيد المعايير، وتُحصّن المساطر، وتعيد الاعتبار للبعد الأخلاقي باعتباره العمود الفقري للمهنة.
ومع أن المشهد يبدو محتقنًا، إلا أن الأزمة، بكل ما تحمل من صدمة، قد تكون فرصة سانحة لإعادة البناء إذا ما جرى التعامل معها بمنطق الإصلاح لا الإدانة، وبوعي يسعى إلى تجديد العقد الأخلاقي بين الصحافة والجمهور. فاستعادة الثقة تبدأ من داخل المؤسسات المهنية نفسها، عبر إرساء الوضوح في القرارات، وتمكين الصحافيين من مساطر عادلة، وتشجيع ثقافة النقد الذاتي بدل ثقافة الردود المتشنجة. وتتطلب اللحظة كذلك إعادة التفكير في دور النقابات والهيئات المنتخبة، وفي كيفية حماية استقلالية القرار الإعلامي بعيدًا عن أي تأثيرات خارجية.
إن هذه الأزمة، مهما بدت قاسية، ليست نهاية المسار، بل يمكن أن تكون بداية تحول جوهري إذا ما تم استثمارها بحكمة. فهي مناسبة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وإعادة صياغة التعاقد المهني بين الصحافة والمجتمع، وبناء توافقات جديدة تسمح للإعلام بأن يستعيد مكانته الطبيعية قوةً للوعي وقاطرة للنقاش العمومي. فالمعركة اليوم ليست مع فرد أو لجنة أو مؤسسة؛ إنها معركة من أجل المستقبل المهني، ومن أجل إعلام قوي ومسؤول يحمي الحقيقة ويخدم المجتمع.
وبهذا المعنى، فإن الحاجة اليوم هي إلى شجاعة جماعية لفتح صفحة جديدة تقوم على المصارحة والمصالحة، وعلى بناء منظومة أكثر صلابة ووضوحًا وتوازنًا. إنها لحظة الحقيقة، لحظة مواجهة هادئة مع الذات، حتى يكون الخروج من الأزمة خطوةً نحو صحافة أقوى، لا شرخًا يعمّق الانقسام ويضعف المهنة في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى الوحدة والرؤية المشتركة.





