الرؤية من العيون :أباحازم تقي الله
في عالم السياسة والإدارة الترابية، كثيرًا ما تُختزل العلاقة بين السلطة المعينة والسلطة المنتخبة في جدلية الصراع والتنافر، وكأنهما خطّان متوازيان لا يلتقيان إلا في الخلاف. غير أن جهة العيون الساقية الحمراء، برمزيتها الجغرافية والسياسية، قدّمت للعالم نموذجًا مغربيًا مختلفًا، عنوانه التفاهم والتكامل، لا الصدام ولا التنازع. فهنا، في الجنوب المغربي، تصالح القانوني مع الانتخابي، وامتزجت الحكمة الإدارية بروح التمثيلية الشعبية، ليُصاغ من هذا التلاقي مشروع تنموي متوازن يسير بثبات نحو المستقبل.
فمنذ تعيين الوالي عبد السلام بكرات على رأس ولاية الجهة، برزت ملامح تحول نوعي في أسلوب تدبير الشأن الترابي. رجل دولة بخبرة طويلة في الإدارة الميدانية، حمل معه رؤية متجددة تجعل من المقاربة التشاركية خيارًا استراتيجيًا لا شعارًا مؤقتًا. وقد اختار منذ البداية أن يكون قريبًا من المنتخبين ومن الفاعلين المحليين، منفتحًا على النقاش ومتفاعلًا مع انتظارات المواطنين، مؤمنًا بأن التنمية لا تُدار من المكاتب بل تُصنع في الميدان. وفي المقابل، برز اسم مولاي حمدي ولد الرشيد كفاعل سياسي منتخب بامتياز، جمع بين التجربة الواسعة والحنكة في تدبير الشأن المحلي، واستطاع عبر سنوات أن يحوّل الثقة الانتخابية إلى قوة اقتراحية وميدانية جعلت من مدينة العيون نموذجًا عمرانيًا وتنمويًا يحتذى به على الصعيد الوطني.
ولأن الرؤية كانت واحدة والمقصد مشترك، فقد تجاوز الرجلان كل أشكال التنافس المفترض بين المعين والمنتخب، ليؤسسا معًا لحالة استثنائية من الانسجام المؤسسي، عنوانها الأبرز: الثقة والتكامل. هذا التلاقي لم يكن صدفة ولا نتيجة ظرف عابر، بل ثمرة وعي عميق بأن الرهان الحقيقي اليوم هو خدمة المواطن وتحقيق التنمية الملموسة، لا الانشغال بصراعات جانبية تستنزف الوقت والجهد. من هنا، تحوّل الفعل الإداري والمنتخب إلى جبهة واحدة تعمل وفق رؤية موحدة تضع الإنسان في قلب التنمية وتُترجم التعليمات الملكية السامية على أرض الواقع.
وقد أثمر هذا التناغم عن نتائج واضحة للعيان. فالعيون التي كانت بالأمس مدينة صحراوية محدودة الامتداد أصبحت اليوم قطبًا حضريًا متكاملًا ببنياتها التحتية ومرافقها الاجتماعية والثقافية والرياضية. مشاريع كبرى رأت النور، من تأهيل الطرق والإنارة والمناطق اللوجستيكية، إلى المركبات الثقافية والمستشفيات الحديثة، مرورًا ببرامج اجتماعية تستهدف الفئات الهشة وتُعيد الاعتبار للإنسان كركيزة أساسية في كل مخطط تنموي. إن ما تحقق لم يكن ليتم لولا هذا التكامل الخلاق بين الشرعية القانونية التي يمثلها الوالي والشرعية الانتخابية التي يجسدها رئيس الجماعة، فالأولى تضمن الانضباط لمقتضيات الدولة، والثانية تمنح القرار شرعية القرب من المواطن.
ورغم ما قد يروّجه البعض من تأويلات مغرضة أو قراءات سطحية تحاول النيل من هذا الانسجام، فإن الوقائع على الأرض أقوى من كل الخطابات. فالمشاريع تُنجز، والأوراش تُفتح، والمواطن يلمس الفرق بين زمن التنازع وزمن التعاون. لقد أثبت الوالي عبد السلام بكرات ومولاي حمدي ولد الرشيد معًا أن السياسة يمكن أن تكون مجال التقاء لا صراع، وميدان عمل لا مزايدة، وأن التنمية لا تحتاج إلى ضجيج لتبرهن على حضورها، بل إلى إنصات متبادل وإرادة مشتركة تصنع الأثر بهدوء وثقة.
إن ما تشهده جهة العيون الساقية الحمراء اليوم ليس مجرد توافق إداري عابر، بل تحول في فلسفة التدبير المحلي يجعل من الشراكة بين السلطات حجر الزاوية في بناء نموذج جهوي ناجح. إنه درس في الحكامة المغربية الحديثة، حيث تتكامل الدولة والمجتمع، ويتحد منطق القرار المركزي مع روح المبادرة المحلية في خدمة هدف واحد: رفاه المواطن. وهكذا، تتبدد الصورة النمطية عن “ثنائية المعين والمنتخب” باعتبارها معضلة، لتُصبح في العيون تجربة ناضجة عنوانها “التنمية الهادئة”، تلك التي تُبنى على أساس من الثقة والتنسيق والاحترام المتبادل.
في النهاية، يمكن القول إن جهة العيون لم تعد فقط عاصمة للأقاليم الجنوبية، بل أصبحت عاصمة لثقافة التعاون المؤسسي ومختبرًا لتجربة مغربية متميزة في تدبير الشأن العام. تجربة تُعلّم أن النجاح لا يتحقق بتغليب سلطة على أخرى، بل بتوحيد الشرعيتين في خدمة الوطن والمواطن. إنها تجربة تُبرهن أن التنمية ليست شعارًا انتخابيًا أو قرارًا إداريًا، بل ثمرة تناغم إنساني ومؤسساتي يجمع بين الحكمة والخبرة، بين الشرعية القانونية والشرعية الشعبية، بين روح الدولة ونبض المجتمع.
وهكذا، تواصل العيون كتابة فصل جديد في مسار اللامركزية والتنمية بالمغرب، فصل عنوانه: حين تتصالح الشرعيتان، تُثمر الأرض ويزدهر الإنسان.





