الرؤية/هيئة التحرير
لم يحتج الفنان التشكيلي أحمد النيري إلى أدوات فاخرة أو مواد ثمينة حتى يصنع لنفسه مكانا في المشهد الفني؛ كان يكفيه أن ينظر إلى الأشياء التي نعبر بجانبها دون اهتمام، ليمنحها حياة جديدة.
النيري واحد من الفنانين الذين اختاروا أن يصنعوا تجربتهم بعيدا عن الضجيج. اشتغل على الخشب والجلد والورق المقوى والحجر وسعف النخل وغيرها من المواد البسيطة، وحوّل ما قد يبدو للآخرين مهملا أو بلا قيمة إلى أعمال تحمل فكرة وشعورا وذاكرة.
ولعل أجمل ما يختصر فلسفته الفنية قوله: «كل الأشياء البسيطة والمهملة بالنسبة لي كائنات حية تنضح بالحيوية والجمال.»
لكن تجربة أحمد النيري لا تتوقف عند المادة التي يستخدمها. في أعماله حضور واضح لأسئلة الإنسان؛ الحياة والموت، الألم، الضياع، والبحث عن معنى وسط عالم سريع التغير. وقد تحدث عن اشتغاله على الجماجم والهياكل، موضحا أن ما دفعه إلى هذا المسار كان «إحساسي بالضياع والمعاناة».
ومع ذلك، لم يكن الفن بالنسبة إليه دعوة إلى التشاؤم. فهو يؤكد: «لا ينبغي أن تفهم أعمالي فهما تيئيسيا.» وهذه الجملة ربما تكشف جانبا أساسيا من تجربته: أن مواجهة الألم لا تعني الاستسلام له، وأن الفن يمكن أن يحول القسوة إلى سؤال، والمهمل إلى جمال، والذاكرة إلى أثر.
أحمد النيري ليس مجرد فنان يصنع لوحات وأعمال فنية؛ إنه فنان علم الأشياء المنسية كيف تتكلم. وربما هنا تكمن بصمته الحقيقية: في قدرته على رؤية قيمة فيما لا يلتفت إليه الآخرون، وعلى تحويل أبسط المواد إلى مساحة للتعبير.
وفي مدينة العيون، حيث تتقاطع الصحراء مع الذاكرة، اختار النيري أن يترك أثره بطريقته الخاصة؛ بالفن، وبالعناد على الاستمرار، وبعين ترى الجمال حيث لا يراه أحد.
هذه هي بصمته… وهذه حكايته التي تستحق أن تُروى.





