الرؤية/هيئة التحرير
بقلم: الهاشم ايوب
يمثل التفكيك الأخلاقي والتخريب الأيديولوجي، وفقاً لما طرحه العميل السوفيتي السابق يوري بيزمينوف، هندسة متكاملة للحرب النفسية ،تهدف إلى إغتيال الأوطان من الداخل دون إطلاق رصاصة واحدة، مستندة إلى استراتيجية استباقية تستنزف مناعة المجتمع الفكرية والنفسية عبر تفكيك ركائزه تدريجياً وإيصاله إلى مرحلة الاستسلام التام للسيطرة الخارجية.
تستند المرحلة الأولى من هذه الاستراتيجية المتمثلة في الإحباط وزعزعة الاستقرار المعرفي إلى مدى زمني طويل يتراوح بين خمسة عشر وعشرين عاماً، وهو الجدار الزمني الكفيل بإعادة صياغة وعي جيل كامل وتغيير إدراك الأفراد للحقائق الواضحة من خلال هذه المنهجية التي تستهدف البنى الأخلاقية والثقافية والدينية والتعليمية وتجريد المؤسسات الأساسية للدولة من شرعيتها المعنوية والأخلاقية لدى مواطنيها.
تتجسد المرحلة الثانية في زعزعة الاستقرار الهيكلي والعملياتي، وهي فترة زمنية أقصر تمتد لسنوات محدودة تُوجّه خلالها الضربات نحو مفاصل الدولة الاقتصادية والبنية التحتية والسياسية، بالتزامن مع تأجيج الانقسامات الاجتماعية والعرقية والطبقية عبر استثمار حقيقي أو مفتعل للمظلوميات وتضخيم الصراعات الداخلية بهدف تمزيق النسيج المجتمعي وجعل المجتمع عاجزاً عن التوافق على حد أدنى من المصالح الوطنية المشتركة.
تتوج هذه الديناميكية بمرحلة الأزمة التي لا تتجاوز أسابيع أو شهوراً معدودة، وهي الذروة التي تبلغ فيها الفوضى مداها وتفقد مؤسسات الدولة قدرتها الوظيفية على الإدارة، مما يدفع المواطنين تحت وطأة الإنهاك النفسي والمعيشي إلى القبول بأي مخرج أو خلاص طارئ حتى وإن كان الثمن الباهظ هو التنازل الكامل عن الحرية والاستقلال لصالح قوى جديدة قاهرة.
تُختتم هذه السلسلة بمرحلة التطبيع أو السيطرة التامة التي تُفرض فيها الهيمنة المطلقة للنظام الجديد تحت مبرر استعادة الاستقرار والأمن، وتشهد هذه المرحلة مفارقة تاريخية تتمثل في تخلص السلطة المهيمنة من عملائها والمخربين المحليين الذين مهدوا لها طريق السقوط، نظراً لطبيعتهم المتمردة وافتقارهم للولاء، ليتحول المجتمع بأسره إلى كيان تابع ومجرد من أي مناعة وطنية أو فكرية.
تتكامل هذه المراحل مع آليات تطبيقية دقيقة تبدأ بضرب المرجعيات المؤسسية والتقليدية كالأسرة والدين والتقاليد عبر وصمها بالرجعية لقطع أواصر الاستمرارية التاريخية، وتمر بإشاعة الفوضى الأخلاقية والترويج للقيم الهابطة لإلهاء الشعوب عن قضاياها الاستراتيجية، وتنتهي بصناعة الهويات القاتلة التي تحيل التنوع المجتمعي إلى صراعات صفرية ممزقة، وصولاً إلى تزييف الوعي الجماعي عبر التحكم بمخرجات التعليم والإعلام لإنتاج أجيال منقطعة الصلة بتاريخها وهويتها وغير قادرة على حماية مصيرها.
تمرّ العديد من مجتمعاتنا اليوم بتحولات عميقة تعكس بوضوح ملامح هذا النموذج التحليلي، حيث تتداخل الأزمات البنيوية مع تأثيرات حرب نفسية وفكرية ممنهجة استهدفت عبر عقود ركائز الهوية والتماسك المجتمعي، ويظهر ذلك جلياً في تراجع دور المرجعيات التقليدية وتفكك الروابط الأسرية والمجتمعية لصالح النزعات الفردية المفرطة، فضلاً عن تصاعد حالة الإحباط وفقدان الثقة بالمؤسسات الوطنية والعامة.
كما تتجسد آثار هذا التخريب في اتساع رقعة الانقسامات الطائفية والعرقية والجهوية التي تُغذى باستمرار عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، مما حوّل التنوع المجتمعي إلى صراعات صفرية ممزقة للنسيج الوطني. ومع تراجع الوعي التاريخي وهشاشة منظومات التعليم والثقافة، باتت أجيال واسعة تعاني من حالة من الاغتراب الهوياتي والتشظي الفكري، وهو ما يجعل هذه المجتمعات أكثر عرضة للاستنزاف المعنوي وتدجين الإرادة لصالح قوى الهيمنة الخارجية والداخلية الطامحة للسيطرة.
والسؤال الذي ينتظر منا الإجابة:
إلى أي مدى نجح التخريب الناعم في التسلل إلى بيوتنا وعقولنا، وهل ما زلنا نملك بقايا من مناعة أم أننا أوصلنا مصيرنا برضا تام لنقطة اللاعودة؟





