الرؤية/هيئة التحرير
بقلم:الفايدة عليفال
الفرد ليس ديكورا أخلاقيا، بل هيكلة بيولوجية يجب صيانتها كي لا يتحول النسيج الاجتماعي إلى مقبرة جماعية.
حين يقف التاريخ ليفصل بين مجتمع يخطو نحو المستقبل وآخر يغرق في مستنقع التحلل، يسقط التجميل وتتساقط الأقنعة أمام اختبار واحد لا تقبل نتائجه المواربة:
كيف تعامَل حقوق الإنسان؟ هل هي شرط مادي صلب لاستمرار الوجود، أم جرح نازف في عمق الهوية يُراد طمسه بالأوهام؟
آليات منع الانهيار أم رفاهية مستهجنة؟
إن المجتمعات التي تمتلك شجاعة البقاء تدرك بالفطرة والوعي أن الإنسان ليس مجرد رقم عابر في معادلة القطيع، بل هو جوهر البناء. الحفاظ على العقل من مخالب القمع، ومنح حق التنفس والتفكير، ليست أبدا من رفاهيات الفكر، بل هي آليات حماية صارمة لمنع الانهيار الشامل، ومنظفات أساسية تمنع الشارع من أن يتحول إلى مجار تُلقى فيها الطاقات البشرية الحية كفضلات مهملة.
محرقة الهوية: الأفراد كقربان في حضيرة النخبة.
على الجهة المقابلة، تقف الأقوام التي ترتضي العيش على فتات النخبات المخملية، ترفع الرايات البالية كأنها رياح مقدسة لا تُمس. في تلك العوالم، لا يُنظر إلى الإنسان ككائن حي يحمل حق الحياة، بل كقماش رخيص يُلقى بلا رفة جفن في أتون فرن الهوية، فالمهم عندهم أن تظل المرآة لامعة من الخارج مهما تجرح الواقع وتفسخ من الداخل.
هناك، لا تُحسب أدمية الفرد بمعيار الكرامة، بل يُختزل إلى مجرد قربان يُقدم بلا توقف على مذبح الانتماء الأعمى. ولهذا السبب تحديدا، تصبح المطالبة بالحقوق الطبيعية جريمة كبرى في عُرفهم، فالاعتراف بالإنسان يكشف بالضرورة العفن المتراكم تحت الدروع، ويعري الهيكل الهش الذي يقتات عليه الجلادون منذ قرون.
يبدو الخيار اليوم حاسما ولا يقبل أي تجميل، فإما أن نبني دولة تحصي الفرد باعتباره قيمة مادية عليا، تصون كرامته وحقه الأصيل في حياة قابلة للحياة، وإما أن نختار البقاء في حضيرة تستميت في تقديم أبنائها قربانا تلو الآخر لتلميع زجاج مليء بالخدوش، وتدافع بشراسة عمياء كالضباع عن ذلك العفن العتيق الذي دفن أجدادهم من قبل.





