جيل الشهادات … أين الوظائف ؟ 

هيئة التحريرساعتين agoLast Update :
جيل الشهادات … أين الوظائف ؟ 

الرؤية/الهدية رافع

 

حين يتخرج الشاب حاملا شهادته الجامعية أو دبلومه المهني، يُخيل إليه أن أبواب المستقبل قد فُتحت على مصراعيها ، ليصطدم سريعا بسوق عمل قاسٍ لا يعترف بالورق بقدر ما يعترف بالمنفعة البحتة والعلاقات.

إنها اللحظة التي يكتشف فيها “جيل الشهادات” أن سنوات الجد والسهر لم تكن سوى تذكرة عبور إلى طابور طويل من الانتظار، في واقع يتجاهل كليا حقيقة أن الشهادة وحدها لم تعد تكفي لضمان لقمة العيش، بل ربما أصبحت أحيانا عبئا يثقل صاحبها بتوقعات وهمية.

أزمة التضخم الأكاديمي: شهادات بلا وزن.

المشكلة لا تكمن فقط في شح الوظائف، بل في التضخم المتهور للشهادات. على مدى عقود، تعاملت المجتمعات والأنظمة مع التعليم العالي باعتباره الملاذ الأوحد والغاية القصوى، فتم تحويل الجامعات إلى مصانع خريجين بمعدلات ضخمة، دون أدنى ربط بين هذه المخرجات وحاجة السوق الفعلية.

النتيجة الحتمية كانت انهيار القيمة الحقيقية للشهادة ، فأصبح آلاف يحملون نفس التخصصات النمطية التي تجاوب معها الزمن، بينما تعجز المنظومة عن تخريج كفاءات بمهارات تقنية وعملية قادرة على المنافسة في اقتصاد عالمي متحول. لقد باع النظام التعليمي للشباب وهما كبيرا اسمه “الدبلوم الضامن للوظيفة”، ليجد الخريج نفسه ضحية تخصصات عتيقة لا تقيم وزنا للذكاء الاصطناعي، أو التحول الرقمي، أو مهارات العصر الحقيقية.

 

وهم الوظيفة الحكومية واقتصاد الريع:

من السهل تعليق شماعة الأزمة على القطاع الخاص، لكن الحقيقة المرة هي أن ثقافة التوظيف بأكملها مريضة باقتصاد الريع والانتظار.

لسنوات طويلة، رُسخ في وجدان الشباب أن الدولة هي المشغل الأوحد، وأن الوظيفة المكتبية المضمونة هي أقصى طموح يمكن بلوغه.

هذا التفكير الأبوي تسبب في تخدير المبادرة الفردية وخنق الروح المقاولاتية. وحين عجزت ميزانيات الدول عن استيعاب هذه الأعداد الهائلة، انهار الوهم، ووجد الخريجون أنفسهم في العراء بلا مهارات حقيقية تنافس في سوق حر، وبلا دعم هيكلي يجعل من ريادة الأعمال خيارا واقعيا لا مجرد شعارات إنشائية ترفعها المؤتمرات الرسمية.

 

الهروب نحو الهامش واليأس الممنهج:

حين تُوصد الأبواب الرسمية في وجه جيل كامل، تتسرب الطاقة الشبابية نحو الهامش، فإما بطالة مقنعة تستهلك الأعمار، أو هجرة غير مأمونة العواقب تبحث عن الاعتراف بالإنسان خارج وطنه، أو أعمال هامشية لا تتناسب مع الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

إن ترك الشباب رهينة لانتظار الفرج المكتبي هو جريمة بطيئة في حق التنمية. إحباط الشباب لا ينعكس على حياتهم الشخصية فحسب، بل يفرغ المجتمع من طاقته الحيوية، ويحول التعليم من أداة للترقي الاجتماعي إلى مصنع للإحباط والطبقية المقنعة.

 

نحو الحقيقة: لا بديل عن الجرأة والمصارحة.

إن تجاوز هذا المأزق يتطلب أولا وقبل كل شيء مواجهة مرآة الحقيقة دون تجميل:

إعدام الأوهام: الاعتراف بأن الشهادة الجامعية التقليدية لم تعد صالحة وحدها كصك لضمان العيش، وأن المهارة والقدرة على التكيف هما العملة الصعبة الوحيدة.

إصلاح الاقتصاد لا التعليم فقط: لا قيمة لإصلاح الجامعات إن لم تكن هناك سياسات اقتصادية حقيقية تخلق فرص عمل حقيقية وتدعم الشركات الناشئة والصغرى بعيدا عن البيروقراطية الخانقة.

نسف ثقافة التبعية: تحويل منظومة التفكير من البحث عن “وظيفة مريحة” إلى بناء القيمة والإنتاج المستقل.

 

إن استمرار هذا الوضع يعني باختصار أننا نستهلك مستقبلنا بأيدينا. حين يفقد الشاب الثقة في جدوى تعليمه ومجتمعه، تسقط شرعية كل التخطيطات التنموية. جيل الشهادات لا يريد خطبا رنانة ولا وعودا مؤجلة، بل يريد اقتصادا حقيقيا يمنح الكفاءة قيمتها، ويكسر احتكار الفرص لمن لا يستحقها.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.