مخاض عسير في غرب إفريقيا: تصدع قلاع الديمقراطية في السنغال والنار تحت الرماد بين باماكو ونواكشوط

هيئة التحريرساعتين agoLast Update :
مخاض عسير في غرب إفريقيا: تصدع قلاع الديمقراطية في السنغال والنار تحت الرماد بين باماكو ونواكشوط

الرؤية/الهاشم ايوب

 

 

تشهد منطقة غرب إفريقيا في الآونة الأخيرة تحولات سياسية وأمنية متسارعة تضع استقرارها الإقليمي على المحك، حيث تتداخل الأزمات الداخلية لبعض الدول مع التوترات الحدودية البينية لتشكل مشهداً معقداً ومفتوحاً على كل الاحتمالات.

وفي قلب هذه التطورات، دخلت دولة السنغال نفقاً جديداً من الغموض السياسي عقب الخطوة المفاجئة التي أقدم عليها الرئيس باسيرو ديوماي فاي بإقالة حليفه التاريخي ورئيس وزرائه القوي عثمان سونكو، وحل الحكومة بالكامل، وهو ما يضع حداً لشراكة سياسية ثنائية صعدت بنظام “حزب باستيف” إلى سدة الحكم بناءً على وعود بالتغيير الجذري ومحاربة الفساد.

وتعزى جذور هذا الخلاف العاصف إلى صراع صامت ومتراكم على الصلاحيات والقيادة الفعلية للبلاد، لاسيما بعد بروز سونكو كمركز قرار موازٍ للمؤسسة الرئاسية، وهو ما تجلى في طروحاته الراديكالية وتصريحاته العلنية التي أكد فيها رفضه للتبعية المطلقة للرئاسة.

غير أن تفجر الخلاف ارتبط بشكل وثيق بالأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب السنغال؛ حيث كشف تدقيق مالي رسمي عن إخفاء النظام السابق لمديونية ضخمة دفعت الدين العام لتجاوز حاجز 130% من الناتج المحلي الإجمالي، مما دفع صندوق النقد الدولي إلى تجميد برامجه التمويلية للبلاد.

وفي وقت أصر فيه سونكو على نهجه الإفريقي الحمائي ورفض شروط الهيئات المالية الدولية، يميل الرئيس فاي إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية لإنقاذ الاقتصاد من الإفلاس، فضلاً عن رغبته في النأي بمؤسسة الرئاسة عن التجاذبات الاجتماعية والدولية التي خلفتها القوانين المشددة لتجريم المثلية والاعتقالات الواسعة التي قادها سونكو مؤخراً.

وعلى الجبهة الشرقية للمنطقة، وتحديداً بين مالي وموريتانيا، تتصاعد حدة التوتر الأمني والدبلوماسي على خلفية العمليات العسكرية المكثفة التي يشنها الجيش المالي مدعوماً بمجموعات “فيلق إفريقيا” (فاغنر سابقاً) ضد التنظيمات المسلحة في المناطق الحدودية.

وقد انعكست هذه العمليات بشكل مباشر على السيادة الموريتانية من خلال تسجيل توغلات متكررة لجنود ماليين داخل قرى موريتانية، بلغت حد مطالبة السكان بنزع العلم الوطني الموريتاني في بعض المناطق، إلى جانب استمرار حوادث استهداف وتوقيف مدنيين ورعاة موريتانيين داخل الأراضي المالية، وهو ما دفع نواكشوط إلى إرسال تحذيرات شديدة اللهجة تؤكد فيها أن سلامة مواطنيها وحرمة أراضيها خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

ويتداخل هذا التصعيد الميداني مع أزمة دبلوماسية صامتة محورها اتهامات مبطنة من باماكو لنواكشوط باستغلال مخيمات اللاجئين الماليين داخل موريتانيا كقواعد خلفية للمسلحين، وهي مزاعم رفضتها الدبلوماسية الموريتانية جملة وتفصيلاً، وقامت على إثرها باستدعاء السفير المالي  يوم أمس للاحتجاج الصارم.

وفي مقابل هذا الضغط الأمني والإنساني الهائل المتولد عن استضافة موريتانيا لأزيد من 300 ألف لاجئ مالي في ظروف اقتصادية دقيقة، لا تزال نواكشوط تنهج سياسة الاحتواء الحذر وضبط النفس، مفضلةً القنوات الدبلوماسية المباشرة والتعزيزات العسكرية الدفاعية على الحدود، وذلك لتفادي أي انزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة قد تفجر الأوضاع في منطقة الساحل المثقلة أساساً بالحروب والأزمات.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.