الرؤية/الهاشم ايوب
تحظى منظومة التربية والتكوين في المغرب بحصة الأسد من النقاش العمومي والسياسي، وتُصنف دائماً كأولوية وطنية ثانية بعد القضية الترابية. ومع ذلك، لا يزال التناقض صارخاً بين ما تبشر به المخططات الرسمية، وما تكشفه التقارير الدولية الصادرة عن منظمات وازنة.
في هذا السياق، جاء تقرير حديث صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) ليسلط الضوء على فجوة عميقة وصادمة بين الخطاب الرسمي المتفائل والواقع الفعلي المعيش داخل الفصول الدراسية المغربية، واضعاً النجاعة الحقيقية للإصلاحات المحتشدة تحت مجهر النقد العلمي.
تأتي هذه المعطيات الصادمة في إطار التقارير الدورية لليونسكو التي تعتمد على مؤشرات كمية ونوعية دقيقة ومقارنات دولية لإحراز تقدم الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالتعليم الجيد.
وتستند الدراسة إلى تحليل بيانات التحصيل الدراسي، ومعدلات التدفق المدرسي، والإنفاق العمومي، مقارنة بمخرجات التعلم الفعلية على أرض الواقع في المغرب، لتكشف عن أزمة تحصيل حادة ومحدودية واضحة في مشاريع مثل “مدارس الريادة”.
فرغم إطلاق وزارة التربية الوطنية لمشاريع طموحة تعتمد على مقاربات تدريس حديثة، ورغم المؤشرات الإيجابية الأولية التي روجت لها الدوائر الرسمية، فإن تقرير اليونسكو يؤكد أن نسبة كبيرة جداً من التلاميذ لا تصل إلى الحد الأدنى من الكفاءة المعرفية المطلوبة في المواد الأساسية كالقراءة والرياضيات، مما يخلق عجزاً تراكمياً يصعب تداركه في المستويات اللاحقة.
وشكلت الأرقام المتعلقة بالتسرب والمغادرة المبكرة لأسلاك الدراسة الصدمة الأكبر في تقرير المنظمة الدولية، حيث تعكس نزيفاً حقيقياً للموارد البشرية للبلاد؛ إذ يشير التقرير إلى أن حوالي 16% من التلاميذ يغادرون المدرسة قبل إتمام المرحلة الابتدائية، وترتفع هذه النسبة بشكل مخيف لتصل إلى 53% في المرحلة الإعدادية، ثم تتفاقم لتصل إلى 74% في السلك الثانوي.
هذه المؤشرات المتدنية تعني في عمقها أن أقل من ثلث التلاميذ المغاربة فقط ينجحون في الوصول إلى مستوى البكالوريا، بينما تلفظ المنظومة التعليمية غالبية روادها قبل بلوغ مرحلة التعليم العالي أو التأهيل المهني.
ويسجل التقرير في هذا الصدد مفارقة عجيبة تستحق التحليل، فالإشكالية في المغرب لم تعد إشكالية غياب الإرادة المالية أو السياسية بالكامل؛ حيث يقر التقرير بوجود مؤشرات إيجابية تتجلى في زيادة الإنفاق الحكومي على قطاع التعليم، وتوسيع قاعدة التعليم الأولي، وتحسين منظومة تكوين الأساتذة.
ومع ذلك، فإن هذه الجهود والاستثمارات الضخمة لم تُحدث تحولاً ملموساً في جودة التعلمات، لأن الاستثمار الكمي المرتبط ببناء الحجرات وتوظيف الأعداد لا يرافقه تغيير حقيقي في الممارسات البيداغوجية داخل القسم، ولا يستهدف معالجة الثغرات البنيوية للمتعلمين.
من جهة أخرى، أبرزت دراسة اليونسكو أن المدرسة المغربية، بدلاً من أن تلعب دور “المصعد الاجتماعي” الذي يحقق تكافؤ الفرص، أصبحت في بعض الأحيان أداة لتكريس الفوارق الطبقية والمجالية.
وتعاني المنظومة من اختلالات بنيوية حادة تظهر جلياً في العالم القروي والمناطق النائية، حيث تتضاعف نسب الهدر المدرسي والتكرار، وتتحول هشاشة البنيات التحتية وضعف الموارد الاقتصادية للأسر إلى حواجز تمنع الأطفال من مواصلة تعليمهم، فضلاً عن رصد التقرير لوجود آلاف الأطفال في سن التمدرس خارج أسوار المدارس تماماً، وهي الفئة الأكثر عرضة للاستغلال الاقتصادي والزواج المبكر.
تضع هذه المعطيات الواقعية، المستندة إلى لغة الأرقام الصارمة لليونسكو، المخططات الإصلاحية المتعاقبة بالمغرب أمام مساءلة حقيقية حول مدى فعاليتها.
إن الفجوة بين الخطاب الرسمي والتطبيق تؤكد أن إصلاح التعليم لا يمكن أن ينجح عبر الشعارات أو المشاريع النموذجية المعزولة، بل يتطلب ثورة هيكلية في الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتركيز على الإنصاف المجالي كأولوية قصوى، وبدون ردم هذه الفجوة، سيبقى التعليم في المغرب عائقاً أمام التنمية الوطنية بدلاً من أن يكون رافعتها الأساسية.





