الرؤية/الهدية رافع
في مدن الصحراء المغربية، وعلى رأسها العيون والداخلة وبوجدور، يتزايد حديث الشباب عن برامج دعم المشاريع، في ظل وعود متكررة بخلق فرص الشغل وتمكين المقاولات الصغيرة. غير أن هذا الحديث لا يخلو من توتر واضح بين ما يُعلن رسميا وما يُروى في الكواليس.
تعمل مؤسسات مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وبرامج دعم ريادة الأعمال مثل برنامج فرصة على تقديم تمويلات ومواكبة تقنية لفائدة حاملي المشاريع، وفق مساطر يفترض أنها قائمة على دراسة الملفات والجدوى الاقتصادية للمشاريع. لكن على الأرض، يظل جزء من الشباب يشعر أن الطريق إلى هذه الفرص ليس بالبساطة التي تُعرض في الإعلانات الرسمية.
ففي العديد من الحالات، لا يُطرح السؤال حول جودة المشروع فقط، بل حول “من صاحب المشروع”. فبينما ينجح بعض الشباب في الولوج إلى التمويل رغم تواضع أفكارهم أحيانا ، يجد آخرون أنفسهم خارج الدائرة رغم امتلاكهم مشاريع أكثر وضوحا وقابلية للتطبيق. هذا التفاوت يغذي شعورا متناميا بأن العلاقات الاجتماعية والمعرفة المسبقة بالأشخاص داخل المنظومة قد تلعب دورا غير معلن في ترجيح الكفة.
في مدن صغيرة ومترابطة إجتماعيا، حيث يعرف الجميع الجميع، يصبح الخط الفاصل بين ما هو إداري وما هو اجتماعي رفيعا جدا. هذا الواقع لا يعني بالضرورة وجود قرارات محسومة مسبقا، لكنه يخلق بيئة تُقرأ فيها القرارات أحيانا من زاوية الثقة الشخصية أكثر من زاوية المعايير التقنية الصرفة، وهو ما يفتح الباب أمام التأويلات ويضعف ثقة جزء من الشباب في عدالة الانتقاء.
في المقابل، يشير بعض الفاعلين في مجال المواكبة إلى أن جزءا كبيرا من الإشكال لا يرتبط فقط بالمحاباة، بل أيضا بضعف التأطير والمعرفة بكيفية إعداد المشاريع. فنجاح الملف لا يتوقف على الفكرة فقط، بل على طريقة عرضها، وتفصيلها المالي، وقدرة صاحبه على إقناع اللجنة. وهنا يظهر تفاوت واضح بين من استفاد من تكوين أو توجيه مسبق، ومن يدخل التجربة لأول مرة دون أدوات كافية.
ورغم ذلك، يبقى غياب الشفافية الكاملة حول نتائج الانتقاء، وعدم تقديم تبريرات واضحة للرفض في كثير من الحالات، عاملا أساسيا في تغذية الشكوك. فحين لا تُشرح الأسباب، تُترك المساحة مفتوحة للتأويل، وغالباً ما يميل الشباب إلى تفسير الفشل بعوامل غير تقنية، خاصة في سياق اجتماعي حساس ومترابط.
بين هذه المعطيات، يتشكل واقع مركب لا يمكن اختزاله في اتهام مباشر ولا في تبرئة مطلقة. لكنه واقع يكشف حاجة ملحة إلى تعزيز التواصل، وتوضيح المعايير بشكل أدق، وتقليص الفجوة بين المؤسسات والشباب. فالقضية في جوهرها ليست فقط في تمويل المشاريع، بل في بناء الثقة في أن الفرص تُمنح على أساس الاستحقاق، لا على أساس القرب المعرفة أو الانطباع.





