الرؤية من العيون – تحليل إخباري
في خطوة غير مألوفة في تدبير الشأن الديني على المستوى المحلي، تقدم رئيس المجلس العلمي المحلي بمدينة العيون، السيد أباحازم ماءالعينين، بطلب إعفاء من مهامه، واضعاً بذلك مساره الأكاديمي في صدارة أولوياته بعد تجربة امتدت لقرابة ثلاث سنوات على رأس المؤسسة. القرار، وإن جاء بصيغة إدارية، يحمل في عمقه دلالات مهنية ومجتمعية تتجاوز حدود الواقعة، لتطرح تساؤلات جوهرية حول التوازن بين المسؤولية العمومية ومتطلبات التكوين العلمي.
ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الدور الذي تضطلع به المجالس العلمية المحلية، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية في تأطير الحقل الديني، وتعزيز قيم الاعتدال، وصيانة الثوابت الدينية والوطنية. وهي مهام تستدعي تفرغاً فعلياً وحضوراً مستمراً، ما يجعل الجمع بينها وبين مسار أكاديمي متطلب أمراً بالغ التعقيد، خاصة في سياق تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية.
المعطيات التي رافقت طلب الإعفاء تشير إلى إدراك واضح بثقل المسؤولية وصعوبة التوفيق بينها وبين متطلبات البحث العلمي، وهو ما يعكس توجهاً نحو إعادة ترتيب الأولويات وفق منطق الكفاءة والاستدامة. فالتراكم العلمي، في مثل هذه المواقع، لا يقل أهمية عن التدبير اليومي، بل يشكل ركيزة أساسية لضمان جودة التأطير الديني ومواكبته لمستجدات الواقع.
كما يبرز في خلفية هذا القرار بعد مؤسساتي مهم، يتمثل في التأكيد على وجود كفاءات قادرة على تحمل المسؤولية، وهو ما يعزز منطق التداول ويكرس الثقة في الطاقات المحلية. ويُفهم من هذا التوجه أن تدبير الشأن الديني لم يعد رهين الاستمرارية الفردية، بل أصبح مرتبطاً بقدرة المؤسسات على تجديد نخبها وضمان استمرارية أدائها.
وفي السياق ذاته، حافظ طلب الإعفاء على ثوابته الوطنية، من خلال ما تضمنه من تجديد لروابط الولاء والدعاء لأمير المؤمنين، بما يؤكد أن القرار لا يعكس انسحاباً من الالتزام، بل إعادة تموقع داخل نفس منظومة الخدمة الدينية، ولكن من زاوية مختلفة تقوم على التفرغ العلمي.
ويرى متابعون أن هذه الخطوة مرشحة لإثارة نقاش أوسع داخل الأقاليم الجنوبية، حول شروط ممارسة المسؤولية في الحقل الديني، ومدى الحاجة إلى توفير بيئة أكثر دعماً للبحث العلمي، بما يتيح للكفاءات الجمع بين التأطير الميداني والتطوير الأكاديمي دون تعارض.
في المحصلة، يقدم هذا القرار نموذجاً لتدبير عقلاني للمسار المهني، قائم على تقدير موضوعي للإمكانات والإكراهات، ويعكس تحولاً في الوعي بأهمية الاستثمار في الرأسمال العلمي كمدخل أساسي لضمان جودة الأداء داخل المؤسسات. وهو ما يجعل من هذه الخطوة حدثاً ذا دلالة، يتجاوز طابعه المحلي ليطرح أسئلة أعمق حول مستقبل العلاقة بين العلم والمسؤولية في تدبير الشأن الديني بالمملكة.





