من أجل مجلس قوي… لماذا تحتاج الصحافة المغربية إلى قيادة الناشرين في المرحلة القادمة؟

هيئة التحرير3 ديسمبر 2025Last Update :
من أجل مجلس قوي… لماذا تحتاج الصحافة المغربية إلى قيادة الناشرين في المرحلة القادمة؟

 

الرؤية: ليلى أبكير

 

 

في لحظة دقيقة يعيشها المشهد الإعلامي الوطني، يعود السؤال المحوري إلى الواجهة: من يملك اليوم القدرة الفعلية على قيادة المرحلة الجديدة داخل المجلس الوطني للصحافة؟

هذا السؤال ليس ترفًا تنظيريًا، ولا نقاشًا انتخابيًا عابرًا، بل هو مسألة مصيرية تتعلق بمستقبل مهنة تمر من أعقد فتراتها منذ عقود. وفي قلب هذا التساؤل، تبرز الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين باعتبارها الإطار الأكثر جاهزية لقيادة المرحلة القادمة، ليس بمنطق الهيمنة أو التنافس، ولكن بمنطق المسؤولية التاريخية التي تفرضها التحولات المتسارعة والتحديات الكبيرة التي يواجهها الحقل الإعلامي.

 

المشهد الإعلامي اليوم يواجه واقعًا صارخًا لا يمكن تجاهله: التحول الرقمي يعصف بالنماذج التقليدية للعمل الصحفي، سوق الإعلان يتغير بسرعة قياسية، المؤسسات الصحفية الصغيرة والمتوسطة تواجه هشاشة غير مسبوقة، والمنصات الرقمية العالمية تبتلع حصة الأسد من الجمهور والعائدات. أمام هذا الواقع المركب، لا يكفي وجود إطار تنظيمي، بل هناك حاجة إلى قيادة قادرة على فهم التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وعلى امتلاك رؤية واضحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإعادة بناء ما يجب أن يُبنى من جديد. هنا، تظهر أهمية قيادة تمتلك القدرة على التفاوض، وجرأة اتخاذ القرار، وقوة التأثير داخل محيطها المؤسساتي، وهي جميعها عناصر متوافرة بشكل عملي وواقعي داخل الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين.

 

هذه الجمعية ليست مجرد إطار مهني آخر؛ فهي الكتلة الأكثر تمثيلاً للمقاولات الصحفية بمختلف أحجامها واتجاهاتها، وقد نجحت في السنوات الأخيرة في إعادة تشكيل جزء من التوازنات داخل الحقل، وخلق نقاش جاد حول شروط الممارسة، ومستقبل النموذج الاقتصادي، وضرورة الانتقال نحو منظومة أكثر تنظيمًا وصرامة. ومن دون قوة تنظيمية حقيقية قادرة على تحويل هذا النقاش إلى قرارات ملموسة، سيظل المجلس الوطني عالقًا في دائرة الفشل المؤسسي، حيث غابت الإرادة وفقدت القدرة على تنزيل الإصلاحات، وتحولت المؤسسات إلى هياكل بلا فعالية.

 

تجربة المجلس الوطني خلال الولاية السابقة أثبتت أن غياب قيادة قوية كان أحد أهم أسباب التعثر. فالمجلس، رغم أهميته الرمزية والدستورية، ظل عاجزًا عن فرض احترام أخلاقيات المهنة في كثير من الأحيان، وعجز عن معالجة الفوضى الرقمية، وحماية الصحافة الحقيقية من الانزلاقات والتجاوزات. إن تنظيم المهنة ليس قرارًا إداريًا، بل مشروعًا يحتاج إلى حامل قوي، ومخاطب يحظى بثقة الدولة، ووزن داخل الجسم الصحفي، وقدرة على التأثير في السياسات العمومية. هذه المواصفات لا يمكن تجاوزها أو تعويضها بالشعارات الفارغة أو التوازنات الشكلية.

 

الحاجة إلى قيادة الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين في المرحلة المقبلة لا تهدف إلى تغليب مصالح الناشرين على الصحفيين، بل لتعزيز فعالية المجلس وضمان قوته التنظيمية. المجلس لا يمكن أن يستقيم دون توازن بين الصحفيين والناشرين، لكن التوازن الحقيقي يصنعه التنظيم القوي والقدرة على اتخاذ القرارات، وليس الضعف أو التردد. ووجود قيادة قوية في الجانب المقاولاتي سينعكس حتمًا على الجانب المهني، لأن الصحافة لا يمكن أن تزدهر في مؤسسات منهكة، ولا يمكن حماية أخلاقياتها إذا كانت المؤسسات نفسها تبحث عن البقاء.

 

اللحظة الراهنة لحظة إعادة بناء، وتحتاج قيادة تمتلك حس الاستشراف وقدرة المبادرة وجرأة التحرك. الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، بخبرتها وشبكة علاقاتها وتراكم أعضائها، قادرة على حمل ورش الإصلاح، وإعادة الاعتبار للمجلس الوطني، وضمان حماية المهنة من الداخل قبل الخارج. هذا ليس مطلبًا فئويًا، بل خيار استراتيجي لاستعادة ثقة الرأي العام، ورد الاعتبار لمهنة يتم استنزافها يوميًا، ووضع أسس صلبة لمستقبل الصحافة المغربية في زمن لا يرحم الضعفاء ولا ينتظر المترددين.

 

وفي سياق متصل، شدد محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، على أن النقاش حول المجلس الوطني للصحافة لا ينبغي أن يتحول إلى مسألة شخصية، داعيًا إلى العمل المؤسساتي وتجنب شخصنة النقاش الإعلامي. وأكد أن الحكومة ستناقش مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس مادة مادة، مع إشراك جميع الأطراف لضمان حضور كل المكونات، وأن النقاش حول التمثيلية بين الأطراف أمر طبيعي ويعكس تعدد الرؤى، وليس تصورات شخصية للوزارة أو المسؤولين. وأوضح الوزير أن المشروع الجديد يتضمن نقاطًا مهمة لمعالجة الثغرات السابقة، منها إحداث مسار للطعن في قرارات المجلس عبر لجنة يرأسها قاض، وإنشاء لجنة مستقلة للإشراف على الانتخابات داخل المجلس، بعد أن كان غيابها يشكل فراغًا قانونيًا.

 

المرحلة المقبلة تفرض على جميع الأطراف أن يختاروا بين الاستمرار في الدوران داخل الحلقة نفسها، أو منح المجلس الوطني للصحافة قيادة قوية ومؤسسة منظمة قادرة على الفعل. الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين هي اليوم الإطار الأكثر قدرة على حمل هذا المشروع، ليس لأنها الأكبر عددا أو الأكثر حضورًا، بل لأنها الأكثر انسجامًا مع متطلبات اللحظة، والأكثر قدرة على مواجهة التحديات الحقيقية، والأكثر أهلية لقيادة ورش الإصلاح الذي طال انتظاره. القرار اليوم ليس مجرد مسألة تنظيمية، بل خيار استراتيجي لمستقبل الصحافة المغربية، ولصمود مؤسسة تشكل العمود الفقري للمشهد الإعلامي الوطني.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.