جرح في خاصرة الصحافة المحلية: الصحفي البوجدوري بين سندان التهميش ومطرقة الإقصاء الممنهج

هيئة التحريرساعتين agoLast Update :
جرح في خاصرة الصحافة المحلية: الصحفي البوجدوري بين سندان التهميش ومطرقة الإقصاء الممنهج

الرؤية/الهدية رافع

 

 

 

تتوالى الأنشطة وتتلاحق الفعاليات على أرض بوجدور؛ المدينة التي طالما صمدت وتسامقت كرمز للتحدي، لكنها اليوم تُجبر على لعب دور المسرح الخلفي لمسرحيات تنظيمية تُحاك بكثير من الارتجالية والقليل من الحياء المهني. يتفرج الإقليم على مهرجانات واستحقاقات ذات صبغة وطنية وجهوية، بينما يُطرد صانع الحقيقة الأول — الصحفي البوجدوري — إلى الهامش المظلم، مطرودا من فضاء حقه المشروع في التغطية والمواكبة، ومحروما من ممارسة مهنته في قلب دارِه.

إن ما يحدث في بوجدور لم يعد يندرج تحت خانة “الجهل البروتوكولي” أو “الهفوات التنظيمية”؛ لقد تجاوز ذلك بمراحل ليغدو استراتيجية حصار مكتملة الأركان وسياسة إبعاد متعمدة.

 

فاستيراد طواقم إعلامية من الخارج وتغريب المنابر المحلية ليس سلوكا بريئا، بل هو إعلان صريح عن رغبة جارفة في تغييب الشاهد المحلي وإحلال مريدين يمارسون “صحافة العلاقات العامة”.

السؤال المحرم: عقدة الكفاءة أم الرعب من الحقيقة؟

أمام هذا المشهد القاتم، تسقط كل مساحيق التجميل، ولن نتردد في طرح الأسئلة الحارقة التي يحاول اللوبي المحلي والجهوي التهرب منها:

هل بات أبناء بوجدور عاجزين عن مسك القلم والتقاط الصورة وصياغة الخبر حتى يُستبدلوا بطواقم تُستقدم على مقاس الفعاليات؟

أم أن الحقيقة الأكثر بشاعة هي الخوف القاتل من عين الصحفي ابن البلد؟

 

الصحفي البوجدوري ليس مجرد ناقل لنص بلاغ صحفي جاف؛ إنه ابن هذه التربة، الخبير بشعابها، والأقدر على فك شفرات الملفات ونبش ما وراء كواليس التسيير. إنه العرش الذي يرتعد أمامه ملفو التقريرات الخاوية، والعدسة التي تخشاها اختلالات الشأن المحلي. ولهذا بالتحديد، يُفضل المسؤولون استيراد صحافة “العبور السريع” التي تلتقط الصورة الرسمية وتبتسم للكاميرا، ثم ترحل دون أن تسأل عما يقع خلف الكواليس.

 

 

هذه المهزلة ليست وليدة الجدران المغلقة لإقليم بوجدور وحده، بل هي ثقافة ممتدة تعكس خللا هيكليا في التعاطي مع الصحافة الجهوية في الأقاليم الجنوبية برمتها. وما وقع في “موسم طانطان” (الموگار) إلا الفضيحة الأوضح لهذا النهج؛ حيث جرى استقبال الإعلام المركزي والدولي على سجادة حمراء، فيما جرى التعامل مع الإعلام الجهوي بلغة التضييق والتحقير اللوجستيكي.

أن تتعمد اللجان المنظمة حرمانه من التغذية والمبيت وأبسط الموارد اللوجستية التي تكفل كرامته المهنية، فهذا ليس تقشفا ولا سوء تدبير؛ إنه طرد ناعم وعرقلة صريحة للعمل الصحفي.

إنها رسالة وقحة مفادها: “لستم مرغوبا فيكم هنا، لأنكم تعرفون أكثر مما يجب”.

إلى أين يذهب الصحفي البوجدوري؟

أمام هذا الخنق المتواصل، نضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية والمهنية، ونطرح السؤال المفصلي الذي ينخر الجسم الإعلامي بالمنطقة:

أين يذهب الإعلامي الصحفي البوجدوري حين تُوصد في وجهه أبواب الأنشطة الرسمية والجهوية؟

كيف يُطلب منه بناء إعلام متزن ومسؤول بينما يُجرَّد من حقه الدستوري في الوصول إلى المعلومة ويُترك يواجه التهميش بأمعاء فارغة وإمكانيات معدومة؟

 

إن استمرار هذا المسلسل الكارثي ليس مجرد حيف في حق أشخاص، بل هو ضربة قاضية لمفهوم “التنمية الجهوية” برمتها.

 

لا تنمية بلا صحافة حرة، ولا إشعاع حقيقي لإقليم تُقطع فيه ألسنة أبنائه الشرفاء لصالح طارئين لا يربطهم بالمنطقة إلا غلاف التغطية .

آن الأوان لكسر هذه الأغلال، إن بوجدور ليست قرية منسية على هامش الخريطة ليتم التعاطي مع إعلامييها بأسلوب الوصاية والمنّة. إنها حاضرة متمدنة بأبنائها، وإعلاميوها لن يرضوا بعد اليوم بفتات البروتوكولات ولا بصفة “الضيف الثقيل”.

 

رفع مشعل الإعلام في الأقاليم الجنوبية ليس خيارا ننتظر الإذن لممارسته، بل هو واجب وطني ومهني سنخوضه بكل حزم وقوة، وضد كل من يسعى لقبر صوت الحقيقة في هذه الرقعة العزيزة من الوطن.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.