أريام الزيعر/الرؤية
تواجه السياحة في الشرق الأوسط خلال الربع الأول من سنة 2026 ضغوطاً متزايدة بفعل التوترات الإقليمية واضطراب حركة الطيران، بعدما تراجع عدد الوافدين الدوليين إلى المنطقة بنسبة 14% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، في وقت سجلت فيه السياحة العالمية نمواً بنسبة 2%.
ويهدد هذا التراجع مسار التعافي الذي حققه القطاع خلال السنوات الأخيرة، بعدما تجاوز عدد السياح الدوليين الوافدين إلى الشرق الأوسط في 2025 مستويات ما قبل جائحة كورونا بنحو 40%. كما لا تتوقف تداعيات اضطراب السفر عند المسافرين وشركات الطيران، بل تمتد إلى الفنادق والمطاعم والنقل والأسواق وفرص العمل المرتبطة بالإنفاق السياحي.
وتزداد المخاوف مع تقديرات تشير إلى إمكانية فقدان المنطقة ملايين الزوار ومليارات الدولارات من الإنفاق السياحي خلال 2026، إذا استمرت حالة عدم اليقين لفترة أطول.
ضربة مبكرة لقطاع كان يراهن على سنة قوية
كانت المؤشرات التي سبقت تصاعد التوترات ترسم صورة أكثر تفاؤلاً لقطاع السياحة في الشرق الأوسط، مع توقعات بنمو يصل إلى 13% خلال 2026، مدفوعاً بتوسع الطاقة الجوية واستمرار تعافي الطلب العالمي على السفر.
غير أن الاضطرابات الإقليمية قلبت جزءاً من هذه الحسابات، بعدما أصبح أمن الرحلات وانتظام حركة الطيران عاملين حاسمين في قرارات المسافرين.
وتكشف أرقام الربع الأول حجم الفارق؛ ففي الوقت الذي انخفض فيه عدد الوافدين إلى الشرق الأوسط بنسبة 14%، سجلت حركة السياحة الدولية عالمياً نمواً بلغ 2%.
من تعافٍ سريع إلى سباق مع المخاطر
كان الشرق الأوسط قد حقق خلال السنوات الأخيرة تعافياً لافتاً، إذ تجاوز عدد السياح الدوليين الوافدين إليه في 2025 مستويات عام 2019 بنحو 40%.
هذا الانتعاش جعل السياحة إحدى أبرز الأوراق التي تراهن عليها اقتصادات المنطقة لتنويع مصادر الدخل، وجذب العملة الأجنبية، وخلق فرص الشغل.
لكن أي اضطراب طويل في حركة السفر يمكن أن يضع هذه المكاسب أمام اختبار صعب، خصوصاً أن السائح الدولي يستطيع تغيير وجهته عندما ترتفع المخاطر أو تصبح الرحلات أقل انتظاماً.
الأزمة تبدأ في المطار.. لكن الفاتورة تصل إلى الشارع
قد يبدو إلغاء رحلة أو تأجيلها مشكلة تخص المسافر وحده، لكن الصورة الاقتصادية أكثر تعقيداً.
فكل سائح لا يصل إلى وجهته يعني إنفاقاً أقل في الفندق والمطعم ووسيلة النقل والمتجر والموقع السياحي. ومع تراكم هذه الحالات، يتحول تراجع أعداد الزوار إلى ضغط مباشر على الشركات والعاملين والأنشطة المرتبطة بالسياحة.
ولهذا فإن اضطراب الطيران لا يضرب شركات الطيران فقط، بل يمتد تأثيره إلى كامل السلسلة الاقتصادية التي تبدأ من المطار ولا تنتهي إلا عند آخر عملية إنفاق يقوم بها السائح في وجهته.
الطيران يدفع الثمن.. والسياحة تتلقى الضربة
أظهرت مؤشرات قطاع الطيران حجم الاضطراب الذي عرفته المنطقة، بعدما تراجع أداء شركات الطيران في الشرق الأوسط بنسبة 60.8% خلال مارس.
ولا يتعلق الأمر بأرقام شركات الطيران وحدها؛ فتراجع الرحلات يعني انخفاض عدد المسافرين، وهو ما ينعكس بدوره على إشغال الفنادق، وخدمات المطارات، والنقل السياحي، وتأجير السيارات، والمطاعم والأنشطة التجارية.
وبمعنى آخر، كلما انخفضت حركة الطائرات، تقلصت معها دورة الإنفاق التي يعتمد عليها جزء كبير من الاقتصاد السياحي.
23 مليون سائح.. رقم يكشف حجم المخاطرة
في ظل استمرار حالة عدم اليقين، بدأت تظهر تقديرات ترسم سيناريوهات أكثر قتامة لمستقبل القطاع خلال السنة الحالية.
ففي سيناريو يفترض انحسار التوتر خلال فترة قصيرة تتراوح بين أسبوع وثلاثة أسابيع، قد تفقد المنطقة نحو 23 مليون زائر دولي خلال 2026، بما يعادل قرابة 34 مليار دولار من الإنفاق السياحي المحتمل.
غير أن هذه الأرقام لا تمثل خسائر نهائية محققة، بل تقديرات مبنية على سيناريو افتراضي، ويمكن أن ترتفع أو تنخفض وفق تطورات الوضع خلال الأشهر المقبلة.
600 مليون دولار يومياً.. ماذا تعني؟
وتشير تقديرات أخرى إلى احتمال وجود فجوة يومية تقدر بنحو 600 مليون دولار مقارنة بمستويات الإنفاق السياحي التي كانت متوقعة قبل تصاعد الاضطرابات.
وهنا ينبغي التمييز بين “الخسارة الفعلية” و”الإنفاق الذي لم يتحقق”: فالرقم لا يعني أن المنطقة تخسر فعلياً 600 مليون دولار نقداً كل يوم، وإنما يعكس حجم التراجع المحتمل عن المسار الذي كان متوقعاً للسفر والسياحة.
الفنادق والمطاعم والنقل.. القطاعات التي تدفع الفاتورة
كلما طال تراجع تدفق السياح، اتسعت دائرة المتضررين.
فالفنادق تواجه خطر انخفاض نسب الإشغال، والمطاعم تراجعاً في عدد الزبائن، وشركات النقل انخفاضاً في الطلب، بينما تتأثر المتاجر والأسواق والأنشطة الترفيهية بتراجع إنفاق الزوار.
وتزداد حساسية الوضع في المدن التي تشكل السياحة جزءاً مهماً من اقتصادها المحلي، حيث ترتبط مداخيل آلاف العاملين بصورة مباشرة أو غير مباشرة بحركة الزوار.
المعركة الحقيقية.. استعادة ثقة المسافر
لا تكمن المشكلة فقط في عدد الرحلات التي ألغيت أو السياح الذين لم يصلوا، بل في السؤال الأصعب: متى يشعر المسافر مجدداً بأن المنطقة وجهة آمنة ومستقرة؟
فقرار السفر لا تحكمه الأسعار والعروض السياحية وحدها؛ إذ تلعب عوامل الأمن، وانتظام الرحلات، وسهولة الوصول، والاستقرار دوراً أساسياً في اختيار الوجهة.
وإذا طال الاضطراب، فقد لا يكتفي المسافر بتأجيل رحلته، بل قد يختار وجهة أخرى، وهو ما يجعل استعادة الثقة أكثر صعوبة وكلفة.
هل تتحول الأزمة إلى انتكاسة سياحية؟
يدخل الشرق الأوسط المرحلة الحالية بقطاع سياحي أقوى مما كان عليه قبل سنوات، لكن قوة التعافي لا تعني أن القطاع محصّن ضد الصدمات.
فالمدة التي ستستغرقها الاضطرابات، وحجم تأثيرها في حركة الطيران، وسرعة استعادة الاستقرار، كلها عوامل ستحدد ما إذا كان التراجع الحالي سيبقى مجرد كبوة مؤقتة أم يتحول إلى انتكاسة تضرب توقعات النمو السياحي خلال 2026.
وفي النهاية، قد لا تكون المعركة المقبلة حول جذب ملايين السياح الجدد فقط، بل حول إقناع ملايين المسافرين بأن الشرق الأوسط لا يزال وجهة تستحق أن تُحجز لها التذاكر، وتُملأ من أجلها الفنادق، وتُفتح لها المحافظ





