الرؤية/هيئة التحرير
لم تكن طفولة سديم صاخبة بل كانت هادئة أكثر مما ينبغي، هدوء لا يعني السلام بل يعني أن كل شيء يُقال في الداخل ولا يُترجم أبدا كتومة لحد ما … كان البيت بالنسبة لها سجنا مُحكما ..جدرانه لا تُرى بالعين بقدر ما تُحس في الروح… في تلك البقعة المنعزلة على ضجيج وصخب الصراعات القبلية … عاشت العائلة داخل حدود القبيلة وخارج اعترافها تُركوا في منطقة رمادية كأنهم ظل لا يكتمل.. وكأن الدم يمكن محوه بقرار صامت.
في خضم هذا التناقض نشأت هي في بيت بلا دفء كاف، وصمت يُوزع بدل العناق… الأب لم يكن غائبا، لكنه لم يكن حاضرا كما يجب.. رجل صامت، كتوم، يتغذى على الصرامة ويتلذذ بإعطاء الأوامر كأنها لغته الوحيدة… لم يكن يرى في التعبير عن المشاعر إلا ضعفا محتملا خللا قد يهدد تماسكه… لذلك لم يقترب يوما بما يكفي ليحتضن بناته وركائز بيته ولم يبتعد بما يكفي ليُنسى كان هناك دائما كقانون لا يُناقش…
أما الأم، فكانت مرشدة في صمتها صبورة تحملت من الصعاب ما لم تستطع أي امرأة تحملها من اهانات وسهام الكلمات ..، تتقن فن التخفيف دون أن تُحدث ضجيجا فحنانها كان موجودا لكنه يمر بمحاذاة الجوع لا يواجهه… ، بين هذا وذاك، كبرت سديم وفي صدرها فراغ دقيق ليس جوعا للطعام، بل لقبلة.. لضمة.. لإحساس بسيط بأنها مرئية ومحبوبة دون شرط..كبرت قبل أوانها وتعلمت أن تخفي حاجتها حتى عن نفسها
لم تكن الصدمات حدثا واحدا، بل كانت تراكما بطيئا يشبه قطرات الماء التي تنحت الصخر دون أن تُرى.. كلمات قاسية تُقال وكأنها عادية، نظرات صارمة تُزرع في القلب دون استئذان ومشاعر مُهمَلة تُترك لتذبل في صمت… حتى اتسع داخلها فراغ واسع وعميق… فراغ لا يُرى من الخارج لكنه يبتلع كل شيء في الداخل ولا يملؤه شيء عادي ولا يهدأ بسهولة…ولهذا عندما كبرت لم تكن تبحث عن الحب كما يفعل الآخرون لم تكن تعرف حتى شكله الحقيقي بل كانت تبحث عن تعويض عن شيء يُرمم ما تكسر دون أن تفهم كيف أو لماذا أي اهتمام بسيط كان يبدو لها عظيما.. أي كلمة لطيفة كانت تلامس جرحا خفيا وأي اقتراب لو كان عابرا كان كافيا ليجعلها تغرق دون مقاومة
لم تكن تختار من تحب بل كانت تتعلق بمن يلمس جوعها بمن يمنحها ذلك الشعور المؤقت بالامتلاء حتى وإن كان زائفا كانت تمنح نفسها بسرعة.. تثق بسرعة..وتُسلم قلبها لمن يمد يده.. لا لأنه يستحق بل لأنه وصل في لحظة احتياج…كانت تبحث عن الدفء لكنها كثيرا ما احترقت تبحث عن الأمان فتقع في الخوف تبحث عن من يراها… فتضيع أكثر ولم تكن تدرك أن ما بداخلها لم يكن حبا ناقصا فقط بل جرحا قديما … يتنكر كل مرة في هيئة حب جديد…
عادت بها الذاكرة ….ست سنوات إلى الوراء الى اول سقوط جميل ..الى طائر الفينيق ذلك الشاب الذي بدا كأنه نجا من رماده …أحبته وهي في الخامسة عشرة بجنون لا يناسب عمرها … تلك اللحظة التي ظهر في حياتها كمعجزة ..لم يكن معجزة لأنه أنقذها بل لأنه فهمها لأنه كان الوحيد الذي لمح السواد خلف منشوراتها الساخرة على “فيسبوك” والوحيد الذي رأى ما خلف ضحكتها.. كان شابا عشريني بعقل كهل كبير .. كان مختلفا بطريقة أربكتها.. كلامه أعمق من عمره وعقله أوسع من واقعه وحين سمّاها “خشيمو” بدلال خفيف شعرت لأول مرة أنها مرئية أن أحدا يناديها كما هي لا كما تبدو…أحبته بكل ما فيها من نقص وتعلقت به كأنها وجدت أخيرا ما كانت تبحث عنه منذ الطفولة… كأن ذلك الفراغ القديم بدأ يمتلئ بوجوده… لكنه لم يكن لها وحدها.. كان يأتي ثم يختفي يمنحها بعضا من حضوره ثم يعود لعالمه يتركها في ما يشبه “محطة استراحة” يزورها حين يمل من صخب حياته أو يثقل عليه رماد أزماته…مرت السنوات ..ست سنوات كاملة وهي معلقة به بين أمل وخوف ، بين لحظات دفء عابرة وغياب أطول مما تحتمل كانت تبرر..تنتظر.. وتتمسك بما يعطى لها وكأنه كل شيء حتى بدأت تشعر أنه لم يعد كما كان أو ربما هي التي بدأت ترى أكثر ترى الفراغ بين كلماته والتباعد خلف قربه
وحين قررت الرحيل والانسحاب لم يكن ذلك شجاعة كما ظنت بل كان انهيارا صامتا… انسحابا يشبه السقوط وكأنها لا تتركه فقط بل تترك الجزء الذي تعلّق به داخلها.. لم يكن الفراق نهاية عادية بل كان بداية هاوية… هاوية الاكتئاب التي فتحت أبوابها ببطء ومهدت الطريق لما هو أسوأ…





