الرؤية/أريام الزيعر
الرباط – 9 غشت 2026: عاد ملف أسعار الأدوية في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي، مع توجه الحكومة إلى مراجعة منظومة تحديد الأسعار بهدف خفض كلفة العلاج وتعزيز استدامة التأمين الإجباري عن المرض. وبينما يرى مواطنون ومرضى أن ارتفاع أسعار عدد من العلاجات، خصوصاً المرتبطة بالأمراض المزمنة والخطيرة، بات يثقل كاهل الأسر، يحذر مهنيو الصيدلة من أن التخفيضات غير المحسوبة قد تكون لها كلفة أخرى، تتمثل في تراجع ربحية بعض الأدوية، ونقصها أو اختفائها من السوق.
وتضع هذه المعادلة الحكومة أمام تحدٍّ دقيق: كيف يمكن جعل الدواء في متناول المواطن، من دون أن يصبح إنتاجه وتوزيعه غير مربح، بما يهدد استمرارية توفره؟
حين يصبح الدواء الرخيص مهدداً بالاختفاء
قد يبدو خفض سعر الدواء حلاً مباشراً لتقليص نفقات العلاج، غير أن مهنيين في القطاع ينبهون إلى أن المسألة أكثر تعقيداً.
فالأدوية التي تباع بأسعار منخفضة، قد لا توفر دائماً هامشاً اقتصادياً كافياً للشركات المصنعة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المواد الأولية والإنتاج والنقل والتوزيع. ومع استمرار خفض الأسعار، قد تصل بعض الأصناف إلى مرحلة تصبح فيها مواصلة إنتاجها غير مجدية اقتصادياً.
ويحذر الصيادلة من أن النتيجة قد تكون تقليص إنتاج بعض الأدوية أو التوقف عن تصنيعها، وهو ما يعني أن الدواء قد يصبح أرخص على الورق، لكنه أصعب من حيث الحصول عليه.
ويرى مهنيون أن الأولوية ينبغي أن تمنح، عند مراجعة الأسعار، للأدوية ذات الكلفة المرتفعة، خصوصاً المستوردة، بدل التركيز على أصناف لا يتجاوز ثمن بعضها 10 أو 20 أو 30 درهماً.
المواطن يريد سعراً أقل.. لكنه يريد الدواء أولاً
في المقابل، يظل المواطن الحلقة الأكثر تأثراً في هذه المعادلة، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي تواجه نفقات علاجية متكررة.
فحتى الدواء الذي لا يتجاوز سعره بضعة عشرات من الدراهم يمكن أن يتحول إلى عبء حقيقي عندما يتعلق الأمر بعلاج مستمر، أو بمريض يحتاج إلى أكثر من دواء في الوقت نفسه، أو بأسرة محدودة الدخل وغير قادرة على تحمل مصاريف صحية إضافية.
وتزداد صعوبة الوضع عندما يتعلق الأمر بأدوية الأمراض المزمنة والسرطان وغيرها من الحالات التي تتطلب علاجات طويلة ومكلفة.
وفي مثل هذه الحالات، لا يصبح السؤال فقط: كم يبلغ سعر الدواء؟ وإنما أيضاً: هل هو متوفر أصلاً؟
نقص الأدوية يضاعف معاناة المرضى
وتشير شهادات مواطنين إلى أن بعض المرضى يجدون صعوبة في الحصول على أدوية معينة داخل الصيدليات، ما يدفعهم إلى البحث عنها في مدن أخرى أو حتى خارج المغرب.
وتتحول المشكلة إلى عبء أكبر عندما يكون الدواء مرتبطاً بعلاج مرض خطير أو مزمن، إذ قد يضطر المريض أو أفراد أسرته إلى طلبه من الخارج والانتظار أياماً حتى يصل، في وقت لا يسمح فيه الوضع الصحي دائماً بتأجيل العلاج.
كما أن ارتفاع أسعار بعض العلاجات يجعل الفارق بين السوق المغربية والأسواق الخارجية موضع انتقاد، خصوصاً عندما يكتشف المرضى أن دواءً معيناً يباع في أوروبا بسعر أقل مما هو متداول في المغرب.
وهذه المفارقة تطرح سؤالاً أكبر حول آليات التسعير، وتكاليف الاستيراد، وهوامش مختلف المتدخلين في سلسلة توزيع الدواء.
الصيدلي ليس من يحدد السعر
وفي خضم الجدل حول الأسعار، يوضح المهنيون أن الصيدلي لا يملك صلاحية تحديد ثمن الدواء وفقاً لرغبته.
فأسعار الأدوية تخضع لمنظومة تنظيمية تشرف عليها السلطات الحكومية المختصة، ويتم اعتماد الأسعار ونشرها بشكل رسمي، لتصبح موحدة على المستوى الوطني.
وبالتالي، فإن الصيدلية ليست طرفاً مستقلاً في تحديد ثمن الدواء، خلافاً لما قد يعتقده بعض المستهلكين.
لكن الصيدلي يتأثر مباشرة بأي تغيير في الأسعار، لأن هامش الربح يرتبط بقيمة الأدوية التي يتم بيعها، وهو ما يجعل خفض الأسعار المتكرر عاملاً قد يضغط على الوضع المالي للصيدليات.
صيدليات تحت الضغط
ولا يخفي مهنيو القطاع حجم الصعوبات التي تواجهها بعض الصيدليات.
وتشير تقديرات مهنية إلى أن ما بين 30 و40 في المائة من الصيدليات بالمغرب تعاني صعوبات مالية، وسط تحذيرات من احتمال إغلاق عدد منها إذا استمرت الضغوط الاقتصادية دون إصلاحات موازية.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن الصيدلية ليست مجرد نقطة بيع، بل تمثل الحلقة الأقرب إلى المواطن داخل منظومة توزيع الدواء، وبالتالي فإن تراجع قدرتها على الاستمرار قد ينعكس بدوره على الولوج إلى العلاج، خصوصاً في المناطق التي لا تتوفر على بدائل كثيرة.
معادلة لا تحتمل حلاً أحادياً
ويجمع مهنيون على أن إصلاح أسعار الأدوية لا يمكن أن ينجح من خلال قرار واحد يقضي بخفض الأسعار، بل يحتاج إلى مقاربة شاملة تشمل مختلف حلقات المنظومة.
فالحكومة مطالبة من جهة بحماية القدرة الشرائية للمواطن، ومن جهة أخرى بالحفاظ على استدامة أنظمة التغطية الصحية، وضمان استمرار الشركات في إنتاج واستيراد الأدوية، فضلاً عن حماية التوازن المالي للصيدليات.
كما أن توسيع نطاق التأمين الإجباري عن المرض يفرض بدوره البحث عن آليات تضمن قدرة منظومة التغطية الصحية على تحمل النفقات المتزايدة، من دون أن يؤدي ذلك إلى الإضرار بتوفر الأدوية.
الحكومة تفتح ورش مراجعة التسعير
وفي هذا السياق، صادقت الحكومة مؤخراً على مشروع مرسوم يرمي إلى مراجعة نظام تحديد أسعار الأدوية، في إطار مساعيها إلى خفض كلفة العلاج وتعزيز استدامة منظومة التأمين الإجباري عن المرض.
وتندرج هذه الخطوة ضمن ورش إصلاح أوسع للمنظومة الصحية، يراد من خلالها تحسين الولوج إلى العلاج وتقليص الأعباء المالية التي يتحملها المواطنون.
كما تمت الموافقة على إحداث منظومة معلوماتية صحية وطنية مدمجة، تهدف إلى تسريع رقمنة القطاع الصحي وتحسين تبادل المعطيات بين مختلف مكوناته، بما يمكن أن يساعد على رفع كفاءة الخدمات الصحية وتحسين تدبير القطاع.
الرهان: دواء متاح وبسعر معقول
وبين مطالب المواطنين بتخفيض الأسعار وتحذيرات المهنيين من تداعيات ذلك، يبدو أن نجاح أي إصلاح جديد سيقاس بقدرته على تحقيق معادلة دقيقة.
فخفض سعر دواء لا يتوفر في الصيدليات لن يفيد المريض، كما أن ضمان توفره بسعر يفوق قدرته الشرائية لا يحل المشكلة.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بجعل الأدوية أرخص، وإنما بضمان استدامة توفرها، وعدالة أسعارها، وحماية المريض، والحفاظ في الوقت نفسه على التوازن الاقتصادي للقطاع.
وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن في حاجة إلى منظومة تضمن له شيئاً بسيطاً في الظاهر، لكنه معقد في الواقع: أن يجد الدواء الذي يحتاجه، في الوقت الذي يحتاجه، وبسعر يستطيع تحمله.





