الرؤية/الهدية رافع
حين يرحل آخر جيل حَفِظ بوصلة النجوم في ليل الصحراء وفلسفة الصبر في مهب الريح، لا يموت مجرد بشر، بل تنطفئ مكتبة كاملة من الحكمة البكر وتُطوى صفحة من تاريخ العيش النقي، وحينها لا تفقد الرمال حكاياتها فحسب، بل تتحول تفاصيل الحياة اليومية وأسرار الأرض من نبض حي يمارس بفطرة البقاء إلى مجرد مواد أرشيفية ومتاحف باردة، ليقف الجيل الجديد أمام خطر الاغتراب في وطنه، غريبا عن لغته وجذوره، وكأن غياب أولئك الشيوخ هو إعلان رسمي لدخول الذاكرة في غيبوبة طويلة ما لم نسابق الريح لانتشال ما تبقى من تفاصيل قبل أن تصبح هويتنا مجرد صدى تذروه العواصف.
حين يتوقف قلب آخر عجوز خاشع، ممن حفظوا خطى الريح على الكثبان وتلمسوا أثر الماء في يباب الصخور، لن نكون أمام مجرد رحيل فردي لإنسان، بل سنكون أمام إغلاق أبدي لموسوعة حية متكاملة كُتبت بحبر البقاء، وقرئت بعيون الفطنة واليقين.
إنهم الحصن الأخير الذي يقف بيننا وبين محو الذاكرة. جيل تشربت جلودهم شمس القيظ، واستلهمت أرواحهم صمت الأفق الواسع.
هؤلاء لم يكونوا مجرد عابرين فوق الرمال، بل كانوا مترجمين أوفياء للغة الطبيعة القاسية، يقرؤون في أثر الخُطى هوية صاحبه، وفي هبوب ريح الجنوب نبأ عاصفة أو بشارة غيث، وفي صمت الليل حكاية أجداد وطدوا العهد مع القفر فلم يخنهم هذا الأخير.
لكن الكارثة الحقيقية، والشرارة التي يجب أن توقظنا جميعا، تكمن في السؤال المر: ماذا بعدهم؟
عندما يرحل هؤلاء بصمت، ستتحول الذاكرة الحية إلى مجرد رفوف باردة في المتاحف، وسينقلب التراث العريق إلى نصوص جامدة وشاشات رقمية باهتة تفتقر إلى نبض الروح ورائحة الأرض. سنفقد مفاتيح فهم عميق لثقافة الصبر، وسينكسر الجسر المتين الذي يربط الأجيال الجديدة بجذورهم الأولى.
لن يُختصر الغياب في موت حكايات “الأولين” فقط، بل سيضيع معها فلسفة كاملة في التعايش مع العدم، وكيف يمكن للإنسان أن يصنع من القسوة وطنا، ومن العطش درسا في الإرادة.
حينها، سنصبح مجرد عابرين بلا جذور، تذرو رياح الحداثة السطحية هوياتنا كما تذرو الرياح الهشيم.
ليست هذه مجرد مرثية لماض انقضى، بل هي ناقوس خطر يقرع بشدة. إننا نواجه خطر العزل الأبدي عن تاريخنا الحقيقي. فالتاريخ لا يُحفظ بالكتب الميتة وحدها، بل بالصدور التي تتنفسه. وإذا لم نسارع اليوم وبشراسة الوعي لتوثيق كل نبضة، وكل حرف، وكل تفصيلة صغيرة قبل أن تبتلعها رمال النسيان، فسندفع جميعا ثمن هذا التخلف ضياعا مطلقا لهوية لا تعوض.
إن التقاعس عن حفظ هذا الإرث ليس مجرد إهمال ثقافي عابر، بل هو خيانة صريحة للهوية وجريمة ثقافية مكتملة الأركان!
حين نسمح لآخر جيل أن يرحل بصمت ونكتفي بالفرجة، فنحن نوقع بأنفسنا شهادة وفاة اختيارية، ونعلن تخلينا عن أعرق ملامح وجودنا لنصبح مسوخا ثقافية بلا تاريخ ولا كرامة.
إنها معركة وجود إما أن نخوضها الآن بشراسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو نستعد جميعا لارتداء عباءة الضياع والذوبان الأبدي في محيطات الاستهلاك والنسيان!





