الهدية رافع
بينما تتسابق الأحزاب السياسية على ملء الشاشات، وإشعال منصات التواصل الاجتماعي، وملء الفضاء العام بصخب الحملات المبكرة والشعارات البراقة، يبدو المشهد في المناطق الجنوبية وكأنه يعزف على إيقاعين مختلفين تماما.
فبينما تختار قوى سياسية عديدة رفع سقف الحضور الإعلامي إلى أقصى مداه، يسجل حزب الأصالة والمعاصرة حضورا إعلاميا باهتا لا يتناسب حجمه مع طموحاته التنظيمية ورهاناته الانتخابية في الصحراء. فهل نحن أمام تكتيك صامت يخفي خلفه أوراقا رابحة، أم أن “الجرار” يعاني من عجز هيكلي في مواكبة معركة الصورة والخطاب؟
صخب الخصوم وهدوء “البام”
على امتداد الدوائر الانتخابية في الأقاليم الجنوبية، لا يكاد يخطئ المتابعون عينَ التباين الصارخ في الأسلوب التواصلي. فجل الأحزاب الأخرى جعلت من الواجهة الرقمية والإعلامية منبرها الأول، مستثمرة في الدعاية المكثفة والتغطيات اليومية لتحصين مواقعها واستمالة الناخبين.
في المقابل، يختار حزب الأصالة والمعاصرة (البام) الاكتفاء بحد أدنى من الظهور الإعلامي الرقمي والتقليدي، مفضلا التركيز على العمل الميداني الصامت وإدارة المفاوضات في كواليس الخرائط القبلية وشبكات الأعيان.
هذا التباين يضع المراقبين أمام تساؤل مشروع، ففي عصر تحولت فيه الصورة الرقمية وسرعة تدفق المعلومة إلى ركيزتين أساسيتين لصناعة القرار الانتخابي، يثير هذا التراجع الإعلامي الملحوظ الكثير من التساؤلات حول مدى قدرة الحزب على مواكبة تحولات الرأي العام المحلي، خاصة وأن الناخب اليوم لم يعد بمعزل عن تأثيرات المنصات والخطاب الإعلامي الموجه.
رهان على الأرض أم قصور تواصلي؟
أن يختار الحزب الاشتغال في العمق بعيدا عن أضواء الكاميرات، قد يُقرأ في أدبيات السياسة الكلاسيكية على أنه رهان على “ثقل الأعيان” وتحالفات الأرض التي لا تحتاج إلى صخب إعلامي لتثبيت وجاهتها. فالأصالة والمعاصرة يعلم يقينا أن المعادلات الانتخابية في الصحراء تُحسم في الغالب عبر شبكات القرابة، والمصالح المحلية، والتوافقات القبلية، وهي آليات قد لا تسعفها البروباغندا الرقمية بقدر ما تفيدها حنكة التدبير الميداني.
لكن الوجه الآخر للعملة يطرح فرضية مغايرة تماما، فهل يعكس هذا الغياب الإعلامي الواضح تعثرا في تدبير التواصل المؤسساتي، وغيابا لرؤية إعلامية واضحة ومواكبة للحدث؟ وهل أخفق الحزب في خلق ذراع إتصالي قادر على ترجمة حراكه التنظيمي الميداني إلى مادة إعلامية مؤثرة تقنع الناخب المتردد وتواجه خصومه في معركة التأثير؟
أمام هذا التناقض البين بين دينامية التحركات التنظيمية في الكواليس و”الخفوت الإعلامي” الملحوظ، يبقى السؤال المعلق:
هل هذا الصمت المدروس يترجم قوة كامنة يخفيها الحزب ليُفاجئ بها خصومه في اللحظات الحاسمة من الاستحقاقات؟ أم أنه مجرد انعكاس لعجز بنيوي وافتقار حقيقي لتدبير الظهور الإعلامي في معركة تحسمها اليوم الصورة قبل أي شيء آخر؟





